مقدمة البحث
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى للناس، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد تكفّل الله سبحانه بحفظ كتابه العزيز، فقال:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
وقد سخّر الله لهذا الكتاب رجالًا حفظوه في صدورهم ودوّنوه في السطور، حتى وصل إلينا كما نزل على النبي ﷺ دون زيادة ولا نقصان. وفي هذا البحث نتتبع مراحل جمع القرآن الكريم منذ عهد النبوة حتى استقرّ المصحف على الصورة التي بين أيدينا اليوم.
تعريف الموضوع
يُقصد بجمع القرآن في اللغة الضمّ وضمّ المتفرّق بعضه إلى بعض. وللعلماء في اصطلاحهم معنيان: الأول جمعه بمعنى حفظه في الصدور، ومن حفظه يسمى «جامعًا» أو «حافظًا». والثاني جمعه بمعنى كتابته وتدوينه مرتبًا، سواء كان ذلك في الصحف أو في المصاحف.
وقد مرّ جمع القرآن بثلاث مراحل رئيسة: الجمع في عهد النبي ﷺ، والجمع في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والجمع في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية هذا الموضوع في أنه يُطمئن المسلم إلى أن القرآن الذي يتلوه هو نفسه الذي نزل على النبي ﷺ، وأن الأمة اعتنت به عناية لا نظير لها في تاريخ الكتب. كما أنه يعرّفنا بجهود الصحابة رضي الله عنهم وحرصهم على الأمانة العلمية، ويردّ على الشبهات التي يثيرها بعض المغرضين حول سلامة النص القرآني.
أهداف البحث
- التعرف على معنى جمع القرآن ومراحله الثلاث.
- بيان عناية النبي ﷺ والصحابة بحفظ القرآن وكتابته.
- معرفة أسباب الجمع في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما وطريقتهما.
- إدراك الفرق بين جمع الصحف وتوحيد المصاحف.
- تعزيز الثقة بحفظ الله لكتابه وبعناية الأمة به.
عناصر البحث
أولًا: القرآن في عهد النبي ﷺ
نزل القرآن مفرّقًا في نحو ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحاجات، وكان النبي ﷺ يتلقاه من جبريل عليه السلام ثم يبلّغه أصحابه. وقد بيّن الله تعالى أنه هو الذي يتولى جمعه وبيانه، فقال:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: 16–19]
وقد اعتنى الصحابة بالقرآن عناية عظيمة، ويمكن تلخيص ذلك في وجهين:
- الحفظ في الصدور: كان العرب أهل حافظة قوية، فكان الصحابة يحفظون ما ينزل ويتدارسونه. واشتهر عدد من الحفاظ منهم الخلفاء الراشدون وعبدالله بن مسعود وأُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
- الكتابة: اتخذ النبي ﷺ كتّابًا للوحي يكتبون ما ينزل، من أشهرهم زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وأُبيّ بن كعب رضي الله عنهم. وكانوا يكتبون على ما تيسّر من الجريد والعظام والجلود الرقيقة وقطع الحجارة العريضة.
وكان النبي ﷺ يحثّ على تعلم القرآن وتعليمه، فقد جاء في الحديث الصحيح:
«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (رواه البخاري)
وبقي القرآن في هذه المرحلة محفوظًا في الصدور ومكتوبًا في أدوات متفرقة، ولم يُجمع في كتاب واحد بين دفتين، لأن الوحي كان ما يزال ينزل، ولأن ترتيب الآيات والسور كان يتم بتوجيه من النبي ﷺ إلى أن انتهى نزول القرآن.
ثانيًا: الجمع في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
سبب الجمع: بعد وفاة النبي ﷺ وقعت حروب الردة، واستشهد في معركة اليمامة عدد كبير من القراء الحفاظ. فخشي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يضيع شيء من القرآن بموت حملته، فأشار على الخليفة أبي بكر رضي الله عنه بجمعه. وتردّد أبو بكر في البداية لأنه أمر لم يفعله النبي ﷺ، ثم شرح الله صدره لذلك لما رأى فيه من حفظ الدين.
من كُلّف بالجمع: وقع الاختيار على زيد بن ثابت رضي الله عنه، لأنه شاب عاقل لا يُتَّهم، وكان من كتّاب الوحي، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن على النبي ﷺ.
منهج الجمع: لم يكتفِ زيد بالحفظ ولا بالكتابة وحدها، بل اشترط أن يكون ما يُكتب مكتوبًا بين يدي النبي ﷺ ومحفوظًا في صدور الصحابة، ولا يقبل شيئًا إلا بشاهدين. وبهذا تحقق التوثيق المزدوج. وكُتب القرآن مرتبًا في صحف جُمعت عند أبي بكر، ثم عند عمر رضي الله عنه، ثم عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنها.
ثالثًا: الجمع في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه
سبب الجمع: اتّسعت الفتوحات الإسلامية وانتشر الصحابة في الأمصار، وصار أهل كل بلد يقرؤون بالحرف الذي تعلّموه على معلّمهم، فبدأ الاختلاف في القراءة بين أهل الشام والعراق. وقد ظهر ذلك لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه في غزوة أرمينية وأذربيجان، فأسرع إلى الخليفة وطلب منه أن يدرك الأمة قبل أن تختلف في كتابها كما اختلف اليهود والنصارى.
طريقة العمل: أرسل عثمان إلى حفصة رضي الله عنها يطلب الصحف، وكلّف لجنة من أربعة من الصحابة هم زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم بنسخها في مصاحف. وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلسان قريش لأن القرآن نزل بلسانهم.
نتائج الجمع: أُرسل مصحف إلى كل مصر من الأمصار الكبرى، وأُبقي مصحف في المدينة، وأمر عثمان بحرق ما سواها من الصحف والمصاحف الفردية منعًا للنزاع. وأجمع الصحابة على هذا العمل، فكان من أعظم مآثر عثمان رضي الله عنه.
رابعًا: مقارنة بين الجمعين
| وجه المقارنة | جمع أبي بكر | جمع عثمان |
|---|---|---|
| السبب | الخوف من ضياع القرآن بموت الحفاظ | الخوف من الاختلاف في القراءة بين الأمصار |
| الهدف | جمع القرآن كله في صحف مرتبة | توحيد الأمة على مصحف واحد |
| المكلف بالعمل | زيد بن ثابت وحده | لجنة من أربعة من الصحابة |
| الناتج | صحف محفوظة عند الخليفة | مصاحف أُرسلت إلى الأمصار |
خامسًا: تطور كتابة المصحف بعد ذلك
كانت المصاحف العثمانية مكتوبة بالخط العربي الأول دون نقط ولا شكل، لأن العرب كانوا يقرؤون بسليقتهم. ثم لما دخل الأعاجم في الإسلام وخشي العلماء من اللحن، وُضع نقط الإعراب على يد أبي الأسود الدؤلي، ثم نقط الإعجام على يد تلميذيه نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر، ثم ضبط الخليل بن أحمد الفراهيدي الحركات بالشكل المعروف اليوم. ثم جاءت الطباعة فيسّرت نشر المصحف، وفي المملكة العربية السعودية يقوم مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة بطباعة المصحف وترجمة معانيه وتوزيعه على نطاق واسع.
النتائج
- جُمع القرآن بمعنى الحفظ والكتابة في عهد النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ مصدر ترتيب الآيات في السور.
- جمع أبي بكر كان لحفظ القرآن مكتوبًا في صحف من الضياع، وتميز بالتحري الشديد والتوثيق المزدوج.
- جمع عثمان كان لتوحيد الأمة على مصحف واحد، ونُسخت منه مصاحف أُرسلت إلى الأمصار.
- أجمع الصحابة على هذين العملين، فلم ينكرهما أحد منهم.
- حفظ الله القرآن بأسباب بشرية يسّرها لعباده تحقيقًا لوعده.
التوصيات
- الاهتمام بتحفيظ القرآن الكريم للناشئة في الحلقات والمدارس.
- تعريف الطلاب بتاريخ جمع القرآن ضمن مناهج علوم القرآن.
- الاستفادة من الإصدارات الموثوقة للمصحف، والبعد عن النسخ غير المراجعة.
الخاتمة
تبيّن لنا من هذا البحث أن القرآن الكريم وصل إلينا بالتواتر، محفوظًا في الصدور ومكتوبًا في السطور، وأن الصحابة رضي الله عنهم بذلوا جهدًا عظيمًا في جمعه بدقة وأمانة، فكان ذلك من تحقيق وعد الله بحفظه. نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن.
- مباحث في علوم القرآن، مناع القطان.
- مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبدالعظيم الزرقاني.
- الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي.
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.