مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن الأرض محاطة بغلاف جوي جعله الله سقفًا محفوظًا يحمي الحياة، وفي طبقة من طبقاته غاز يحجب عنا جزءًا من الأشعة الضارة القادمة من الشمس. وقد حدثت في القرن العشرين قصة علمية مشهورة بطلاها مادتان: الأوزون الذي يحمي الأرض، ومركبات الكلوروفلوروكربون التي صنعها الإنسان لتخدمه فأضرّت بهذه الحماية. وتُعرف هذه القصة في مقررات الكيمياء باسم «قصة مادتين»، وفي هذا البحث نعرضها بتفصيل علمي مبسط.
تعريف الموضوع
قصة المادتين هي قصة غاز الأوزون ذي الصيغة O3 الموجود في طبقة الستراتوسفير، ومركبات الكلوروفلوروكربون المعروفة اختصارًا CFCs، وهي مركبات صناعية تحتوي على الكلور والفلور والكربون. وتبين القصة كيف أن مركبات صُنعت لتكون آمنة ومفيدة تسببت في استنزاف طبقة الأوزون، وكيف اجتمع العالم لحل المشكلة باتفاق دولي.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية الموضوع في أنه مثال حي على علاقة الكيمياء بالبيئة وصحة الإنسان، وعلى أن التقدم الصناعي قد يحمل آثارًا غير متوقعة تحتاج إلى بحث ومراقبة. كما أنه يعلّمنا أهمية التعاون الدولي، إذ تُعد معالجة استنزاف الأوزون من أنجح التجارب البيئية العالمية.
أهداف البحث
- التعرف على غاز الأوزون وأهميته للحياة على الأرض.
- معرفة مركبات الكلوروفلوروكربون واستخداماتها.
- فهم التفاعلات الكيميائية التي تدمر الأوزون.
- التعرف على ظاهرة ثقب الأوزون وآثارها.
- بيان دور اتفاقية مونتريال في معالجة المشكلة.
أولًا: الأوزون
الأوزون غاز يتكون جزيئه من ثلاث ذرات أكسجين، وصيغته:
O3
بينما يتكون غاز الأكسجين الذي نتنفسه من ذرتين وصيغته O2. ويوجد معظم الأوزون في طبقة الستراتوسفير على ارتفاع يقع بين نحو عشرة كيلومترات وخمسين كيلومترًا فوق سطح الأرض، وتُسمى هذه المنطقة طبقة الأوزون. ويتكون الأوزون طبيعيًا عندما تفكك الأشعة فوق البنفسجية جزيء الأكسجين إلى ذرتين، ثم تتحد كل ذرة منفردة مع جزيء أكسجين آخر. وهو يمتص جزءًا كبيرًا من الأشعة فوق البنفسجية الضارة، فيحمي الإنسان والحيوان والنبات منها.
وينبغي التفريق بين الأوزون في الستراتوسفير وهو نافع، والأوزون القريب من سطح الأرض وهو ملوث يتكون من عوادم السيارات وبعض الصناعات، ويضر بالجهاز التنفسي.
ثانيًا: مركبات الكلوروفلوروكربون
صُنعت مركبات الكلوروفلوروكربون في ثلاثينيات القرن العشرين، وسُمّيت أحيانًا بأسماء تجارية مثل الفريونات. وقد اعتُبرت مواد مثالية لأنها غير سامة وغير قابلة للاشتعال وثابتة كيميائيًا، فاستُخدمت في:
- غازات التبريد في الثلاجات والمكيفات.
- الدافعات في عبوات الرذاذ كالمعطرات.
- صناعة الرغوة العازلة.
- مذيبات لتنظيف الأجهزة الإلكترونية.
وتكمن المشكلة في ثباتها نفسه، فهي لا تتحلل بسهولة في الطبقات السفلى من الجو، فتصعد ببطء إلى الستراتوسفير حيث تتعرض للأشعة فوق البنفسجية القوية فتتفكك محررة ذرات الكلور.
ثالثًا: كيف تدمر ذرة الكلور الأوزون؟
في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين أوضح علماء، منهم ماريو مولينا وشيروود رولاند، أن مركبات الكلوروفلوروكربون قد تستنزف الأوزون، وحصلا مع باول كروتزن على جائزة نوبل في الكيمياء عن أبحاثهم في هذا المجال. وتتلخص التفاعلات فيما يلي، إذ يتحرر الكلور أولًا بالأشعة فوق البنفسجية:
CFCl3 → CFCl2 + Cl
ثم تتفاعل ذرة الكلور الحرة مع الأوزون:
Cl + O3 → ClO + O2
ثم يتفاعل أكسيد الكلور مع ذرة أكسجين فيعود الكلور حرًا:
ClO + O → Cl + O2
وبذلك تعمل ذرة الكلور عاملًا حفازًا، أي أنها لا تُستهلك في التفاعل بل تتكرر، فتدمر الذرة الواحدة آلاف جزيئات الأوزون قبل أن تزول من الجو.
رابعًا: ثقب الأوزون
في سنة ١٩٨٥م أعلن باحثون بريطانيون عن نقص كبير في تركيز الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية في فصل الربيع هناك، وشاع تسميته ثقب الأوزون. وهو في الحقيقة ترقق شديد في طبقة الأوزون وليس فتحة حقيقية. وتتسبب الظروف القطبية الباردة وسحب الستراتوسفير القطبي في زيادة فعالية الكلور في التفاعلات.
آثار نقص الأوزون
- زيادة الأشعة فوق البنفسجية الواصلة إلى الأرض.
- ارتفاع احتمال الإصابة بسرطان الجلد وإعتام عدسة العين.
- إضعاف جهاز المناعة عند الإنسان.
- الإضرار بالنباتات والعوالق البحرية التي تقوم عليها السلاسل الغذائية.
خامسًا: اتفاقية مونتريال
أمام هذه الأخطار تحرك المجتمع الدولي، فأقرت اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون في سنة ١٩٨٥م، ثم اعتُمد في سنة ١٩٨٧م بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنزفة لطبقة الأوزون، وهو يلزم الدول بالتخلص التدريجي من إنتاج هذه المواد واستهلاكها. وقد عُدّل البروتوكول مرات لتشديد الالتزامات، وانضمت إليه دول العالم كلها تقريبًا، ومنها المملكة العربية السعودية. وبدأت مؤشرات تعافي طبقة الأوزون تظهر مع مرور العقود، ويتوقع العلماء استمرار تعافيها إن استمر الالتزام. ثم لجأت الصناعة إلى بدائل أقل ضررًا بالأوزون في التبريد والرذاذ.
سادسًا: مثال محلول
إذا علمنا أن ذرة الكلور الواحدة تتفاعل مع جزيء الأوزون ثم تتجدد، فهل تُستهلك ذرة الكلور في التفاعل؟ الجواب: لا، فالمعادلتان المتتاليتان تبدآن بذرة كلور وتنتهيان بذرة كلور، وإذا جمعنا المعادلتين وحذفنا المواد المتكررة على الطرفين حصلنا على المعادلة الكلية:
O3 + O → 2O2
وهذا يعني أن الأوزون والأكسجين الذري تحولا إلى أكسجين عادي، بينما بقي الكلور كما هو، فهو حفاز. ومن هنا يتضح لماذا يكفي قدر ضئيل من الكلور لإحداث أثر كبير على مدى سنوات طويلة.
سابعًا: دروس مستفادة من القصة
- العلم الحديث يراقب آثار المنتجات الصناعية بعد انتشارها، وقد يكتشف ضررًا لم يكن معروفًا.
- الاستجابة المبكرة للتحذيرات العلمية توفر على العالم أضرارًا أكبر.
- قدرة الدول على الاتفاق عندما تكون المصلحة مشتركة.
- أهمية البحث عن بدائل صناعية آمنة قبل منع المادة الضارة.
النتائج
- الأوزون O3 غاز يحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة.
- مركبات CFCs ثابتة تصل إلى الستراتوسفير فتتحرر منها ذرات الكلور.
- الكلور عامل حفاز يدمر أعدادًا هائلة من جزيئات الأوزون.
- ثقب الأوزون ترقق في طبقة الأوزون فوق القطب الجنوبي.
- بروتوكول مونتريال مثال ناجح للتعاون الدولي في حماية البيئة.
التوصيات
- اختيار الأجهزة والمنتجات التي لا تحتوي على المواد المستنزفة للأوزون.
- صيانة أجهزة التبريد والتخلص من القديمة منها بطرق آمنة عبر الجهات المختصة.
- الحماية من الشمس بالملابس والنظارات الواقية وتجنب التعرض الطويل.
- توعية الطلاب بالقضايا البيئية وعلاقتها بالكيمياء.
الخاتمة
لقد بيّنت قصة المادتين أن الكيمياء سلاح ذو حدين، وأن العلماء والحكومات إذا تعاونوا استطاعوا إصلاح ما أفسده سوء الاستخدام. ويبقى على الإنسان أن يتأنى في تقنياته، وأن يحفظ نعمة الله في هذا الكون ولا يفسد فيه.
المراجع
- كتاب الكيمياء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أمانة الأوزون.
- المركز الوطني للأرصاد في المملكة العربية السعودية، مواد توعوية عن طبقة الأوزون.
كلمات دليلية
بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، قصة مادتين