مقدمة البحث

الحمد لله خالق الإنسان ومصوره، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد لاحظ الناس منذ القدم أن الأبناء يشبهون آباءهم وأمهاتهم في الشكل واللون وبعض الصفات، وأن العائلة الواحدة تتشابه في ملامح كثيرة. وقد فسّر العلم الحديث هذه الظاهرة بعلم الوراثة الذي يدرس انتقال الصفات من جيل إلى جيل عبر المادة الوراثية. وفي هذا البحث نتعرف على أساسيات الوراثة عند الإنسان وما يتصل بها من أمراض وفحوص.

تعريف الموضوع

الوراثة هي انتقال الصفات من الآباء إلى الأبناء عن طريق المادة الوراثية الموجودة في الخلايا. وعلم الوراثة هو العلم الذي يدرس هذه الصفات وكيفية انتقالها وسبب التباين بين الأفراد. والمادة الوراثية هي جزيء الحمض النووي المعروف باسم DNA، وهو يحمل التعليمات اللازمة لبناء الجسم وتنظيم أعماله.

أهمية الموضوع

تتجلى أهمية علم الوراثة في تفسير الصفات الموروثة كلون العينين وفصيلة الدم، وفي فهم الأمراض الوراثية والوقاية منها، وفي تطوير العلاج والزراعة وتحسين السلالات. وهو يدل المتأمل على دقة صنع الله في الخلق، كما قال سبحانه:

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2]

أهداف البحث

  • التعرف على الجينات والكروموسومات والحمض النووي.
  • فهم أنماط الوراثة وفق قوانين مندل.
  • معرفة كيف يتحدد جنس المولود وفصيلة الدم.
  • التعرف على أشهر الأمراض الوراثية وطرق الوقاية.
  • بيان موقف الإسلام من الوراثة وأهمية الفحص قبل الزواج.

محاور البحث

أولًا: المادة الوراثية

  • الحمض النووي (DNA): جزيء طويل على شكل سلم لولبي مزدوج، يتكون من وحدات تسمى النيوكليوتيدات، وترتيبها هو الشفرة الوراثية.
  • الجين: قطعة من الحمض النووي تحمل المعلومات اللازمة لصناعة بروتين معين أو لتحديد صفة ما.
  • الكروموسوم (الصبغي): تركيب خيطي في نواة الخلية يتكون من الحمض النووي ملتفًا حول بروتينات. وفي الخلية الجسدية للإنسان ستة وأربعون كروموسومًا، أي ثلاثة وعشرون زوجًا، يرث الإنسان نصفها من أمه ونصفها من أبيه.
  • الأليل: الصور المختلفة للجين نفسه، فالجين المسؤول عن صفة ما قد يكون له أليلان أحدهما من الأب والآخر من الأم.

أما الأمشاج الجنسية، وهي الحيوان المنوي والبويضة، فتحمل كل منهما ثلاثة وعشرين كروموسومًا فقط، وعند الإخصاب يكتمل العدد في الزيجوت (البويضة المخصبة).

ثانيًا: قوانين مندل في الوراثة

وضع العالم النمساوي جريجور مندل قوانين الوراثة الأولى من تجاربه على نبات البازلاء في القرن التاسع عشر الميلادي. وخلاصتها أن لكل صفة عاملين وراثيين، وأن أحدهما قد يكون سائدًا يظهر أثره، والآخر متنحيًا لا يظهر إلا إذا غاب السائد.

مثال: لنفترض أن الأليل السائد لصفة ما يرمز له بالحرف B والمتنحي بالحرف b. إذا تزوج شخصان كلاهما Bb (أي يحمل كل منهما أليلاً متنحيًا لا يظهر أثره) فإن نتائج أبنائهما كما في المربع التالي:

 Bb
BBBBb
bBbbb

فاحتمال ظهور الصفة المتنحية في الأبناء هو واحد من أربعة، أي ربع، بينما تظهر الصفة السائدة في ثلاثة أرباعهم. ويسمى هذا الجدول مربع بانيت.

ثالثًا: تحديد جنس المولود

للإنسان زوج واحد من الكروموسومات الجنسية، ففي الأنثى زوج متماثل يرمز له XX وفي الذكر زوج مختلف يرمز له XY. تحمل البويضة دائمًا الكروموسوم X، بينما يحمل الحيوان المنوي إما X أو Y. فإذا أخصب البويضةَ حيوانٌ منوي يحمل X كان المولود أنثى، وإذا كان يحمل Y كان المولود ذكرًا. وبهذا يتبين أن الذي يحدد الجنس هو الحيوان المنوي، وأن احتمال كل من الذكر والأنثى متساوٍ تقريبًا.

رابعًا: فصائل الدم

تورث فصائل الدم في نظام ABO بثلاثة أليلات هي A وB وO. الأليلان A وB سائدان على O، وهما متساويان في السيادة، فمن ورث A وB معًا كانت فصيلته AB. ومن ورث O من كل أبويه كانت فصيلته O. وتتحدد إيجابية الدم أو سلبيته بعامل آخر يسمى العامل الريسي (Rh)، والأليل الموجب هو السائد.

الفصيلةالتراكيب الوراثية الممكنة
AAA أو AO
BBB أو BO
ABAB
OOO

خامسًا: الأمراض الوراثية

  • أنيميا الخلايا المنجلية: مرض يتغير فيه شكل كريات الدم الحمراء بسبب خلل في الجين المسؤول عن الهيموجلوبين، ويورث بصفة متنحية.
  • الثلاسيميا (أنيميا البحر المتوسط): خلل وراثي في صناعة الهيموجلوبين يسبب فقر دم شديدًا، وهو متنحٍ أيضًا.
  • عمى الألوان: يرتبط بالكروموسوم X ولذلك يكثر في الذكور، لأن الذكر ليس عنده نسخة ثانية تغطي الخلل.
  • الهيموفيليا (نزف الدم الوراثي): خلل في عوامل تخثر الدم، وهو أيضًا مرتبط بالكروموسوم X.
  • متلازمة داون: تنتج عن وجود نسخة إضافية من الكروموسوم الحادي والعشرين، فيكون عدد الكروموسومات سبعة وأربعين، وهي ليست موروثة في أكثر الحالات بل تحدث عند تكوّن الخلية الجنسية.

وتنتج الأمراض الوراثية عن طفرات، أي تغيرات في الحمض النووي، وبعض الطفرات تحدث تلقائيًا وبعضها تسببه عوامل كالأشعة والمواد الكيميائية.

سادسًا: الوراثة والبيئة

لا تتحدد صفات الإنسان بالجينات وحدها، بل للبيئة أثر كبير فيها. فطول القامة يتأثر بالغذاء والصحة، والذكاء يتأثر بالتعليم والتربية، ووزن الجسم يتأثر بنمط الحياة. فالوراثة تحدد الاستعداد، والبيئة تحدد مقدار ظهوره. ولهذا لا يصح أن نحكم على إنسان بأنه محكوم بجيناته، فالتربية والجهد يغيّران كثيرًا.

سابعًا: الوراثة في الإسلام

أقرّ الإسلام وجود أثر للأصول في الصفات، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ وقال إن امرأته ولدت غلامًا أسود، وكأنه يعرّض بنفي الولد. فأراد النبي ﷺ أن يقرّب له الأمر بما يعرفه من الإبل، فسأله:

«هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ» (رواه البخاري)

قال: نعم. قال النبي ﷺ:

«مَا أَلْوَانُهَا» (رواه البخاري)

قال: حمر. فقال النبي ﷺ:

«فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ» (رواه البخاري)

قال: نعم. فقال النبي ﷺ:

«فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ» (رواه البخاري)

قال الرجل: أراه عرقٌ نزعه. فقال ﷺ:

«فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ» (رواه البخاري)

وفي الحديث إشارة إلى أن الصفات قد تنتقل من أجداد بعيدين، وأن اختلاف لون الولد عن أبويه لا يعني الشك في نسبه.

ثامنًا: الفحص قبل الزواج

مع تقدم الطب أصبح من الممكن الكشف عن حمل الشخص لبعض الأمراض الوراثية قبل الزواج، مثل الأنيميا المنجلية والثلاسيميا. وتعتمد المملكة العربية السعودية برنامج الفحص الطبي قبل الزواج للمقبلين عليه، بهدف إعلام الطرفين بنسبة احتمال إصابة الأبناء، ليتخذا قرارهما عن علم. وهو لا يمنع الزواج، لكنه يعطي المعلومات والاستشارة الوراثية. ومن المعلوم أن زواج الأقارب يزيد احتمال ظهور الأمراض المتنحية في الأبناء، وبخاصة حين يكون في العائلة مرض وراثي معروف.

النتائج

  • المادة الوراثية هي الحمض النووي، وتوجد في الكروموسومات التي تتكون من جينات.
  • للإنسان ستة وأربعون كروموسومًا، نصفها من الأب ونصفها من الأم.
  • تنتقل الصفات بحسب قوانين مندل، ولبعضها صفة سائدة وبعضها متنحية.
  • الحيوان المنوي هو الذي يحدد جنس المولود.
  • الفحص قبل الزواج وسيلة مهمة للوقاية من الأمراض الوراثية.

التوصيات

  • إجراء الفحص الطبي قبل الزواج والأخذ بنتائجه والاستشارة الوراثية.
  • التقليل من زواج الأقارب إذا كان في العائلة مرض وراثي.
  • نشر الثقافة الوراثية بين الطلاب والأسر.
  • العناية بالحمل والتغذية وتجنب ما يسبب الطفرات كالتدخين والإشعاع غير الضروري.

الخاتمة

تبين لنا في هذا البحث أن الوراثة علم يكشف جانبًا من إبداع الخالق في خلق الإنسان، فبجزيء صغير يحمل الإنسان معلومات صفاته كلها. ومن الواجب علينا الاستفادة من هذا العلم في الوقاية من الأمراض وفي خدمة الإنسانية، مع الحرص على الأخذ بالأسباب والتوكل على الله. والحمد لله رب العالمين.

المراجع

  • كتب الأحياء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • كتاب «علم الأحياء» لنيل كامبل وزملائه.
  • القرآن الكريم، وصحيح البخاري.
  • وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية، برنامج الفحص قبل الزواج.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، الوراثة عند الإنسان