مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين الذي أرسل رسله بالتوحيد، والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فإن دراسة الأديان والمعتقدات التي عرفتها البشرية من العلوم المهمة لطالب العلم، فهي تكشف سنن الله في الأمم، وتبيّن فضل التوحيد الذي جاء به الإسلام، وتجعل المسلم قادرًا على التعامل مع الآخرين بعلم وإنصاف. ومن الديانات القديمة التي ذُكرت في القرآن الكريم الديانة المجوسية، وفي هذا البحث نتعرف على نشأتها وأبرز معتقداتها وطقوسها وموقف الإسلام منها.
تعريف الموضوع
المجوس هم أتباع ديانة قديمة نشأت في بلاد فارس، وأطلق المسلمون هذا الاسم على أتباع الديانة التي تعرف في المراجع الغربية باسم الزرادشتية نسبة إلى مؤسسها زرادشت. وكانت هذه الديانة هي الديانة الرسمية للدولة الساسانية في فارس قبل الإسلام. ويعتقد أتباعها بوجود إله الخير وإله الشر في صراع دائم، ويقدسون النار ويرونها رمزًا للنور والطهارة. وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه في سياق الأديان التي سيفصل بينها يوم القيامة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: 17]
أهمية الموضوع
- معرفة أصناف الباطل تزيد المسلم تمسكًا بالتوحيد الذي هو أصل دينه.
- فهم تاريخ بلاد فارس والعلاقات بينها وبين العرب والمسلمين قبل الإسلام وبعده.
- بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالمجوس في المعاملة والجزية والزواج والذبائح.
- الإفادة من منهج الإسلام في الحوار والعدل مع المخالفين.
أهداف البحث
- التعريف بالمجوس والديانة المجوسية ونشأتها.
- بيان أهم معتقداتها وكتبها وطقوسها.
- التعرف على موقف الإسلام من المجوس وأحكامهم.
- ذكر ما آل إليه حال هذه الديانة بعد الفتح الإسلامي.
محاور البحث
أولًا: نشأة الديانة المجوسية
نشأت الديانة في إيران القديمة، وارتبطت بشخصية زرادشت الذي يعتقد أتباعه أنه نبي تلقى وحيًا من إله الخير. وقد اختلف الباحثون اختلافًا واسعًا في زمن حياته، فمنهم من جعله قبل الميلاد بمئات السنين الكثيرة ومنهم من قرّبه، ولا يوجد اتفاق قاطع على تاريخ دقيق له. وانتشرت الديانة في عهود الإمبراطوريات الفارسية، وبلغت أوج سلطانها في العهد الساساني الذي كانت الديانة فيه ديانة الدولة، ولها رجال دين لهم نفوذ كبير.
ثانيًا: أبرز معتقداتهم
- الثنائية: يؤمنون بإله للخير يسمونه «أهورا مزدا» أي الإله الحكيم، وبروح للشر تسمى «أهريمان»، ويعتقدون أن الصراع بينهما يمتد في العالم حتى تنتصر قوى الخير في النهاية.
- تقديس النار: يعدّون النار رمزًا للنور والطهارة، ويحافظون على نار مقدسة في معابدهم لا تنطفئ، ويرى أتباعهم أنهم لا يعبدونها بل يتجهون إليها في صلاتهم تعظيمًا لها. ومع ذلك يصفهم المسلمون بعبدة النار لأنهم يعظمونها في عبادتهم.
- تقديس العناصر الأخرى: كالماء والتراب والهواء، ويحرصون على عدم تلويثها.
- الأخلاق: يقوم الخلق عندهم على ثلاث كلمات هي الفكر الطيب والقول الطيب والعمل الطيب.
- البعث والحساب: يؤمنون بنوع من الحساب بعد الموت وبثواب وعقاب، وبمنقذ يظهر في آخر الزمان.
ثالثًا: كتابهم ورجال دينهم
كتابهم المقدس هو الأفستا، ويضم نصوصًا من الأناشيد والتراتيل والأحكام، ويعود أقدم أجزائه إلى ما يعرف بالغاتات المنسوبة إلى زرادشت. وقد كُتب الأفستا بلغة قديمة تسمى الأفستية. ويشرف على الطقوس رجال دين يُعرفون بالموبذ والهيربد، ولهم دور مهم في المعابد وفي الحياة الاجتماعية.
رابعًا: طقوسهم وعاداتهم
| الطقس | وصفه |
|---|---|
| معابد النار | أماكن تحفظ فيها نار مقدسة، ويقوم عليها رجال الدين |
| الاحتفال بالنيروز | عيد قديم يوافق بداية الربيع عند الفرس |
| التعامل مع الموتى | كانوا يعدّون الميت نجسًا فيضعونه في أبراج مرتفعة تسمى أبراج الصمت لتأكله الطيور، ولا يدفنونه ولا يحرقونه تقديسًا للتراب والنار |
| الحزام المقدس | يلبس الطفل في سن مبكرة قميصًا وحزامًا خاصين يدلان على دخوله في الديانة |
خامسًا: موقف الإسلام من المجوس
الإسلام دين التوحيد الخالص، والاعتقاد بإلهين للخير والشر يخالف توحيد الله تعالى. وقد جعل الإسلام أصل الإنسان الفطرة، وأن انحراف الأولاد عنها يأتي من البيئة والتربية، وهذا ما بيّنه النبي ﷺ حين قال:
«مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (رواه البخاري)
ومع ذلك فقد تعامل المسلمون مع المجوس الذين عاشوا تحت حكم الدولة الإسلامية معاملة أهل الذمة، فأخذت منهم الجزية وتركوا على دينهم لا يُكرهون على الإسلام. وذكر البخاري في صحيحه أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أخبر أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، وهي منطقة في شرق الجزيرة العربية. وقال جمهور العلماء إن نساء المجوس لا يجوز الزواج منهن، وإن ذبائحهم لا تؤكل، بخلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وأما تعظيم النار فقد نهى عنه الإسلام، فلا يُعبد إلا الله وحده.
سادسًا: المجوس والفتح الإسلامي
في عهد الخلفاء الراشدين فتح المسلمون بلاد فارس، وسقطت الدولة الساسانية، ودخل في الإسلام أعداد كبيرة من أهل فارس وأسهموا بعد ذلك في بناء الحضارة الإسلامية في العلوم واللغة والفقه. وبقي بعض المجوس على دينهم قرونًا، وتناقص عددهم مع مرور الزمن. ولا يزال لهذه الديانة اليوم أتباع قلة في إيران، وفي الهند يعرفون باسم البارسيين، وفي بعض البلاد الأخرى، وهم قليلو العدد بالنسبة إلى سكان العالم.
سابعًا: الفرق بين المجوسية والأديان الأخرى
- تختلف المجوسية عن الإسلام في أصل التوحيد، فالإسلام يؤمن بإله واحد خالق كل شيء، والمجوسية تؤمن بقوتين متصارعتين.
- تختلف عن الوثنية القديمة في أنها ديانة ذات كتاب وتعاليم أخلاقية منظمة.
- تختلف عن اليهودية والنصرانية في أنهما من أهل الكتاب بنص القرآن، وللمجوس حكم خاص في الشريعة.
النتائج
- المجوس أتباع ديانة فارسية قديمة تُعرف بالزرادشتية، تؤمن بالصراع بين الخير والشر وتقدس النار.
- ذكر القرآن الكريم المجوس في سياق الأديان التي يفصل الله بينها يوم القيامة.
- عاملهم المسلمون معاملة أهل الذمة ولم يكرهوهم على ترك دينهم.
- تراجع عدد أتباع هذه الديانة كثيرًا بعد الفتح الإسلامي لدخول الناس في الإسلام.
التوصيات
- الرجوع في دراسة الأديان إلى المصادر المعتمدة وتجنب الروايات الضعيفة والأساطير.
- الحرص على أن يكون الحوار مع المخالفين بالعلم والحجة والأدب.
- تعميق التمسك بالتوحيد وتعليمه للناشئة.
- إنجاز بحوث متخصصة في تاريخ الأديان القديمة وعلاقتها بالحضارة الإسلامية.
الخاتمة
عرفنا في هذا البحث أن المجوسية ديانة فارسية قديمة قامت على تعظيم النار والقول بإلهين للخير والشر، وأن الإسلام جاء بالتوحيد الخالص وبالعدل مع المخالفين، وأن الله تعالى هو الذي يفصل بين أهل الأديان يوم القيامة. وإن دراسة هذه الموضوعات تزيد المسلم بصيرة بدينه، فنحمد الله على نعمة الإسلام والهداية إلى التوحيد. والحمد لله رب العالمين.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري.
- الملل والنحل للشهرستاني.
- تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري.
- الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي.