مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن اللسان نعمة عظيمة من نعم الله على الإنسان، به يتكلم ويعبّر عن حاجته ويذكر ربه ويدعو إلى الخير. ولكنه في الوقت نفسه قطعة صغيرة قد تكون سببًا في دخول الجنة أو النار، فكم من كلمة رفعت صاحبها، وكم من كلمة أهلكته. وقد قال الله تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]

وفي هذا البحث نتعرف على آفات اللسان وأخطرها وأدلة تحريمها، وطرق التغلب عليها.

تعريف الموضوع

آفات اللسان هي الأمراض والمعاصي التي تصدر عن الإنسان بكلامه، كالغيبة والنميمة والكذب والسخرية واللعن والفحش في القول. وسُمّيت آفات لأنها تفسد دين المرء وأخلاقه وتهدم العلاقات في المجتمع. وحفظ اللسان هو الامتناع عن كل كلام محرم أو لا فائدة منه، والاقتصار على الكلام النافع.

أهمية الموضوع

  • أن أكثر ذنوب الناس مصدرها اللسان، لسهولة الكلام وعدم الكلفة فيه.
  • أن هذه الآفات تفسد الأخوة وتزرع العداوة والبغضاء بين الناس.
  • أن حفظ اللسان علامة على كمال الإيمان وحسن الإسلام، كما في الحديث:

«الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (رواه البخاري)

  • أن الطالب يتعرض لهذه الآفات في المدرسة ووسائل التواصل، فيحتاج إلى معرفتها وعلاجها.

أهداف البحث

  • التعرف على أهم آفات اللسان وحكم كل منها.
  • معرفة الأدلة من القرآن والسنة على التحذير منها.
  • بيان أسباب هذه الآفات وأضرارها.
  • التعرف على طرق عملية للتغلب عليها وحفظ اللسان.

عناصر البحث

أولًا: الغيبة

الغيبة أن تذكر أخاك في غيبته بما يكره، وقد بيّنها النبي ﷺ لأصحابه حين سألهم عنها. فقال ﷺ:

«أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» (رواه مسلم)

فأجابوا بأن الله ورسوله أعلم، فقال ﷺ:

«ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (رواه مسلم)

ثم قيل له: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال ﷺ:

«إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (رواه مسلم)

وقد شبّه الله المغتاب بمن يأكل لحم أخيه الميت تقبيحًا لهذا الفعل، وجمع بين النهي عن الغيبة والتجسس وسوء الظن في آيات سورة الحجرات:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]

العلاج: استحضار أن الغيبة من الكبائر، وأن حسناتك قد تُنقل إلى من اغتبته؛ وأن تنصرف من المجلس الذي تُذكر فيه الأعراض أو تنكر على المغتاب بلطف؛ وأن تشغل لسانك بذكر الله؛ وأن تتذكر عيوبك قبل عيوب الناس؛ وأن تستغفر لمن اغتبته وتطلب منه المسامحة إن أمكن بلا مفسدة. ويستثنى من الغيبة المحرمة مواضع للحاجة الشرعية، كالنصيحة لمن يستشير في زواج أو شراكة، وشكوى المظلوم لمن يقدر على رفع ظلمه، وتحذير الناس من الأذى.

ثانيًا: النميمة

النميمة هي نقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد وإثارة العداوة بينهم. وهي أشد من الغيبة في الإفساد، وقد جاء الوعيد فيها بقوله ﷺ:

«لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» (رواه مسلم)

وقد ذمّ الله النمّام في سورة القلم حين وصف من لا يُطاع من أهل الأخلاق الذميمة:

﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: 10–11]

العلاج: أن لا تصدّق النمّام، فهو فاسق، وأن تنهاه عن فعله وتبيّن له قبحه، وأن تبغض ما أبغضه الله، وأن لا تتجسس لتتأكد مما نُقل إليك، وأن تحفظ سرّ أخيك ولا تنقل كلامه. وإذا سمعت كلامًا عن أخيك فاجعله على أحسن المحامل ولا تحقد عليه.

ثالثًا: الكذب

الكذب هو الإخبار بخلاف الحقيقة. وهو من صفات المنافقين، ويؤدي إلى الفجور ثم إلى النار، وقد بيّن النبي ﷺ عاقبته في قوله:

«إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (رواه البخاري)

وحثّنا الله على الصدق ومصاحبة أهله فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

العلاج: استحضار مراقبة الله، وتذكّر أن الكذب يُسقط الثقة من صاحبه؛ والتعود على الصدق في الصغيرة قبل الكبيرة، والاعتراف بالخطأ دون خوف؛ ومجالسة الصادقين؛ وعدم المبالغة في الأخبار والقصص؛ والتثبت قبل نقل الأخبار التي لا نعرف صحتها حتى لا نقع في الكذب دون قصد.

رابعًا: السخرية والاستهزاء

السخرية هي احتقار الناس والتنقص منهم بالقول أو الإشارة أو المحاكاة بقصد الضحك منهم. وقد نهى الله عنها في كتابه نهيًا صريحًا، وبيّن أن المسخور منه قد يكون خيرًا من الساخر، فقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]

وتشمل السخرية التنابز بالألقاب، وهو أن ينادي المرء أخاه باسم يكرهه كلقب فيه عيب في خلقته أو نسبه. ومن صور السخرية في المدرسة الضحك على زميل لتأتأته أو لباسه أو لونه أو ضعف مستواه، والتعليقات المهينة على صور الآخرين في وسائل التواصل.

العلاج: تذكر أن الناس متفاوتون في الأرزاق والقدرات، وأن التفاضل عند الله بالتقوى لا بالمظاهر؛ وأن تضع نفسك مكان من تسخر منه، فهل ترضى أن يسخر منك أحد؛ وأن تستعمل المزاح اللطيف المباح الذي لا يجرح أحدًا؛ وأن تعتذر لمن أخطأت في حقه وتطلب منه العفو.

خامسًا: اللعن

اللعن هو الدعاء على الشخص بالطرد من رحمة الله. وليس من أخلاق المؤمن أن يكثر من اللعن والسباب، وقد قال النبي ﷺ:

«لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيءِ» (رواه الترمذي)

ولا يجوز لعن مسلم بعينه، ولا لعن الحيوانات والأشياء والأيام والريح، فهذه لا ذنب لها. ومن لعن شيئًا ليس أهلًا له رجعت اللعنة على صاحبها، فيخسر المرء حسناته بغير حق.

العلاج: التحكم في الغضب، وتعويد اللسان على الدعاء بالخير بدل الدعاء بالشر، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند الغضب، والابتعاد عن مجالس السب واللعن، وتذكر أن سباب المسلم من أخلاق الفسق.

سادسًا: الفحش وبذاءة اللسان

الفحش هو الكلام القبيح والألفاظ البذيئة والشتم، وهو بعيد عن أخلاق المسلم. وقد تضمّن حديث الترمذي المتقدم نفي هذه الصفة عن المؤمن الكامل الإيمان. ومن الفحش الشتائم والألفاظ الجارحة وما يُستحى من ذكره. وهو ينتشر بين من يتأثرون بالمحيط السيئ أو يقلدون الآخرين دون تفكير.

العلاج: اختيار الأصدقاء الصالحين، وتعويد النفس على الألفاظ الطيبة، وتذكر أن الكلمة الطيبة صدقة، ومراقبة الله، وتحويل الغضب إلى سكوت أو كلام هادئ، وقول الخير أو الصمت كما أرشد النبي ﷺ.

سابعًا: وسائل عامة لحفظ اللسان

  1. الإخلاص ومراقبة الله: فالكلام مكتوب ومحسوب، وعليه حساب.
  2. التفكير قبل الكلام: بأن نسأل أنفسنا: هل هذا الكلام نافع؟ هل هو صادق؟ هل هو لازم؟
  3. إكثار ذكر الله وتلاوة القرآن: فهما يشغلان اللسان بالطيب.
  4. قلة الكلام وكثرة الصمت المحمود: فمن كثر كلامه كثر سقطه.
  5. مجالسة الصالحين والابتعاد عن مجالس اللغو.
  6. محاسبة النفس في آخر اليوم: وتجديد التوبة من كل كلمة خاطئة.
  7. التوبة الصادقة: بالإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة، وردّ الحقوق إلى أهلها أو الاعتذار لهم.

وقد جمع النبي ﷺ كل هذه المعاني في قوله:

«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (رواه البخاري)

النتائج

  • اللسان نعمة وأمانة، وأكثر الذنوب تصدر عنه.
  • من أخطر آفاته الغيبة والنميمة والكذب والسخرية واللعن والفحش.
  • جاء في القرآن والسنة النهي الشديد عن هذه الآفات والوعيد عليها.
  • العلاج يكون بمراقبة الله والتفكير قبل الكلام وصحبة الصالحين وذكر الله والتوبة.
  • حفظ اللسان من علامات كمال الإيمان وسبب لسلامة المجتمع وصفاء العلاقات.

التوصيات

  • غرس أدب الكلام في الأطفال منذ الصغر في البيت والمدرسة.
  • تخصيص إذاعات وأنشطة مدرسية للتوعية بآفات اللسان وخاصة التنمر الإلكتروني.
  • تشجيع الطلاب على الاعتذار والتسامح وإصلاح ذات البين.
  • أن يكون المعلم والوالدان قدوة في طيب الكلام.

الخاتمة

تعرّفنا في هذا البحث على أبرز آفات اللسان وأدلة تحريمها وسبل علاجها. ويتبيّن أن السلامة في حفظ اللسان، وأن الكلمة الطيبة صدقة تقرّب العبد من ربه وتجمع القلوب، وأن الكلمة السيئة قد تهدم ما بنته السنون. نسأل الله أن يحفظ ألسنتنا من الزلل، وأن يرزقنا القول الطيب والعمل الصالح.

المراجع

  • القرآن الكريم، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي.
  • رياض الصالحين، للإمام النووي، باب حفظ اللسان.
  • الأذكار، للإمام النووي، أبواب آفات اللسان.
  • إحياء علوم الدين، للغزالي، كتاب آفات اللسان.
  • الصمت وآداب اللسان، لابن أبي الدنيا.