مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الناس في كل زمان تعرض لهم مسائل في عباداتهم ومعاملاتهم وأحوالهم، ولا يعرفون حكم الشرع فيها، فيحتاجون إلى من يبيّنه لهم. ومن هنا جاء باب الفتوى والاستفتاء، وهو باب عظيم الخطر لأن المفتي يوقّع عن رب العالمين، ولذلك أمر الله بسؤال أهل العلم فقال:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]
وفي هذا البحث نتعرف على معنى الفتوى والاستفتاء، وأهميتهما، وشروط المفتي، وآداب المستفتي، وخطورة الكلام في الدين بغير علم، والجهات الرسمية التي تتولى الإفتاء في المملكة العربية السعودية.
تعريف الموضوع
أولًا: الفتوى
الفتوى في اللغة اسم من أفتى يفتي إذا بيّن الحكم، وهي الجواب عن الأمر المُشكل. وفي الاصطلاح هي الإخبار بحكم الله تعالى في مسألة شرعية عن دليل لمن سأل عنها. وتختلف عن القضاء بأن الفتوى إخبار بالحكم غير مُلزم، أما القاضي فحكمه مُلزم ينفّذ بين المتخاصمين.
ثانيًا: الاستفتاء
الاستفتاء هو طلب الفتوى، أي أن يسأل من لا يعلم الحكمَ الشرعي عالمًا يثق بعلمه ودينه. ويُسمّى السائل المستفتي، ويُسمّى المجيب المفتي.
أهمية الموضوع
تظهر أهمية الفتوى والاستفتاء في أمور كثيرة، منها:
- أن الفتوى سبيل الناس إلى معرفة دينهم وأداء عباداتهم ومعاملاتهم على وجه صحيح.
- أن الله أمر بسؤال أهل الذكر، وجعل ذلك طريقًا لإزالة الجهل.
- أن المفتي يبيّن للناس الحلال من الحرام، فيحفظ لهم دينهم وأموالهم وأعراضهم.
- أن العلماء ورثة الأنبياء، والإفتاء من أعظم وظائفهم في نشر العلم وحفظ الشريعة.
- أن النوازل الجديدة في كل عصر، كالمعاملات المالية الحديثة والتقنية، تحتاج إلى اجتهاد عالم مؤهّل.
وقد حثّ النبي ﷺ على التفقه في الدين، فقال:
«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (رواه البخاري)
أهداف البحث
- بيان معنى الفتوى والاستفتاء والفرق بينهما وبين القضاء.
- التعرف على الشروط التي يجب أن تتوفر في المفتي.
- معرفة آداب المستفتي عند السؤال وبعد سماع الجواب.
- بيان خطورة الفتوى بغير علم وعاقبتها.
- التعرف على الجهات الرسمية للإفتاء في المملكة العربية السعودية.
عناصر البحث
أولًا: مكانة الإفتاء في الإسلام
تولّى النبي ﷺ الإفتاء في حياته، وكان الصحابة يسألونه عن أمور دينهم فيجيبهم، وقد أنزل الله في القرآن الكريم إجابات عن أسئلة كثيرة بصيغة السؤال والجواب. ثم تولّى الإفتاء بعده كبار الصحابة، كأبي بكر وعمر وعلي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعائشة رضي الله عنهم، ثم التابعون ومن بعدهم الأئمة المجتهدون، وصارت الفتوى علمًا له قواعده وشروطه.
وقد بيّن الله مكانة الإفتاء حين تولّاه بنفسه في بعض المسائل، فقال سبحانه:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: 176]
ثانيًا: شروط المفتي
لأن الفتوى توقيع عن الله تعالى، اشترط العلماء في المفتي شروطًا، من أهمها:
- الإسلام والبلوغ والعقل: فلا تصح الفتوى من كافر ولا صبي ولا مجنون.
- العدالة والأمانة: أي أن يكون مستقيمًا في دينه، بعيدًا عن الأهواء، صادقًا في نقل الحكم.
- العلم بأدلة الأحكام: من القرآن والسنة والإجماع والقياس، ومعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيّد.
- معرفة اللغة العربية: لأن فهم النصوص يتوقف على فهم لسان العرب.
- معرفة الواقع وأحوال الناس: فلا يفتي في مسألة قبل أن يتصور السؤال تصورًا صحيحًا، ويعرف عرف السائل وظروفه.
- الورع والتثبت: فيتوقف إذا لم يعلم، ويقول «لا أدري» ولا يستحي من ذلك، فهي نصف العلم.
ثالثًا: آداب المفتي
- الإخلاص لله تعالى وقصد بيان الحق لا طلب الشهرة.
- الرفق بالسائل وحسن الإصغاء إليه والتأكد من فهم سؤاله.
- التيسير ما أمكن دون تفريط في الأحكام، والتحذير دون تنفير.
- الاعتماد على الدليل وعدم الإفتاء بالهوى أو بمجرد الرأي.
- إحالة السائل إلى من هو أعلم منه إذا لم يكن مؤهلًا للجواب.
رابعًا: آداب المستفتي
- أن يسأل أهل العلم الموثوق بدينهم وعلمهم، ولا يسأل كل أحد.
- أن يحسن السؤال، فيعرضه بوضوح ويذكر ما يحتاج المفتي إلى معرفته من ظروف المسألة.
- أن يتأدب مع المفتي ويحترمه، ولا يحرجه أو يجادله بغير علم.
- أن يقصد بسؤاله العمل بالجواب لا اختبار العالم أو الإيقاع به.
- أن لا يتتبع الرخص ولا يسأل أكثر من مفتٍ ليختار ما يوافق هواه.
- أن يسأل عما ينفعه في دينه، ولا يسأل عن مسائل افتراضية لا حاجة له بها.
خامسًا: خطورة القول على الله بغير علم
حذّر القرآن تحذيرًا شديدًا من أن يحلّل الإنسان أو يحرّم من عند نفسه، فقال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116]
وجعل الله القول عليه بغير علم من أعظم المحرمات، وقرنه بالشرك والفواحش في قوله سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]
وحذّر النبي ﷺ المفتي أن يتكلم قبل أن يتثبت، فقال:
«مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» (رواه أبو داود)
وقد كان السلف شديدي التحرّز من الفتوى، يتدافعونها فيما بينهم، كلٌّ يريد أن يكفيه صاحبه، وذلك مخافةً من الخطأ ومسؤولية الجواب.
سادسًا: الإفتاء في المملكة العربية السعودية
تولي المملكة العربية السعودية الفتوى عناية كبيرة، وتحرص على أن تصدر من جهات علمية رسمية مؤهلة. ومن أبرز هذه الجهات:
- هيئة كبار العلماء: وهي هيئة علمية تضم نخبة من علماء الشريعة، تبحث المسائل الكبرى والنوازل، وتصدر فيها القرارات والفتاوى.
- الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء: وتتبعها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وهي تتلقى أسئلة المستفتين وتجيب عنها، وتصدر الفتاوى والبحوث العلمية، ويرأسها مفتي عام المملكة العربية السعودية.
وتفيد هذه الجهات المجتمع في توحيد المرجعية وحماية الناس من الفتاوى الشاذة وفتاوى غير المتخصصين، خاصة مع انتشار وسائل التواصل التي يتصدّر فيها بعضهم لما ليس أهلًا له. ويستطيع المستفتي مراجعة هذه الجهات عبر قنواتها الرسمية.
سابعًا: ضوابط الفتوى في العصر الحديث
- التثبت من هوية المفتي وتخصصه قبل الأخذ بفتواه، خاصة عبر الإنترنت.
- الرجوع إلى المؤسسات الرسمية المعتمدة في المسائل العامة والنوازل الكبرى.
- الانتباه إلى أن الفتوى تتغير بتغير الواقع والحال إن كانت مبنية على عرف أو مصلحة، لا في الأصول والثوابت.
- أن لا يتصدّر للفتوى غير أهلها، وأن يُنكر على المتجرئين عليها بالحكمة.
النتائج
- الفتوى بيان للحكم الشرعي وليست مُلزمة قضاءً، والاستفتاء طلبها من أهل العلم.
- للمفتي شروط علمية وأخلاقية يجب أن تتوفر فيه، ويُقبل منه قول «لا أدري» إذا لم يعلم.
- على المستفتي أن يختار من يسأله، ويتأدب في سؤاله، وأن يقصد العمل لا التتبع للرخص.
- القول على الله بغير علم من أعظم الذنوب، وقد جاء التحذير منه في القرآن والسنة.
- رتّبت المملكة جهات علمية رسمية للإفتاء تحمي الناس وتوحّد مرجعيتهم.
التوصيات
- الرجوع في المسائل الدينية إلى العلماء الموثوقين والجهات الرسمية، وعدم الاعتماد على المجهولين.
- تدريب طلاب العلم على آداب الإفتاء قبل التصدر له.
- نشر الوعي بخطورة الفتوى بغير علم، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي.
- تيسير التواصل بين الناس والمفتين عبر قنوات رسمية واضحة.
الخاتمة
تعرّفنا في هذا البحث على معنى الفتوى والاستفتاء، ومكانتهما، وشروط المفتي، وآداب المستفتي، وخطورة الكلام في الدين بغير علم. ويتبيّن أن الفتوى أمانة عظيمة لا يقوم بها إلا من أهّله الله بالعلم والتقوى، وأن على الأمة أن تحفظ مكانة العلماء، وتسأل أهل الذكر، وتحذر من المتجرئين على الفتوى. نسأل الله أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا.
المراجع
- القرآن الكريم، وكتب الحديث الشريف: صحيح البخاري وسنن أبي داود.
- الموافقات، لأبي إسحاق الشاطبي.
- إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية.
- صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان الحراني.
- أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح.
- الموقع الرسمي للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية.