مقدمة البحث
الحمد لله الذي جعل الضوء نعمة نبصر بها الأشياء ونعرف بها الألوان والأشكال، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد قال الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 5]
وقد شغل الضوء العلماء قرونًا طويلة: هل هو سيل من جسيمات صغيرة أم موجات تنتشر في الفضاء؟ وفي هذا البحث نتعرف على الطبيعة الموجية للضوء والتجارب التي أثبتتها والظواهر التي تفسرها.
تعريف الموضوع
الضوء شكل من أشكال الطاقة يصل إلينا في صورة موجات كهرومغناطيسية مستعرضة، أي أن اهتزاز المجالين الكهربائي والمغناطيسي فيها يكون عموديًا على اتجاه انتشارها. ولا يحتاج الضوء إلى وسط مادي ينتقل فيه، ولذلك يصلنا ضوء الشمس عبر الفضاء الخالي. وتبلغ سرعته في الفراغ نحو ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية، ويُرمز لها بالحرف c.
أهمية الموضوع
فهم الطبيعة الموجية للضوء هو أساس كثير من التقنيات الحديثة، كالألياف الضوئية والليزر والمجاهر والتصوير والنظارات المستقطِبة وأقراص الحفظ الضوئية. كما أنه يفسر ظواهر نراها كل يوم، مثل ألوان فقاعات الصابون وبقع الزيت الملونة على الطريق المبتل.
أهداف البحث
- تعريف الموجة وبيان خصائصها: الطول الموجي والتردد والسرعة.
- التعرف على تاريخ النقاش بين النظرية الجسيمية والنظرية الموجية.
- شرح ظواهر التداخل والحيود والاستقطاب بوصفها دليلًا على الطبيعة الموجية.
- التعرف على الطيف الكهرومغناطيسي ومكانة الضوء المرئي فيه.
- حل مسائل تطبيقية على تجربة الشق المزدوج.
عناصر البحث
أولًا: خصائص الموجة
لكل موجة طول موجي ونرمز له بالحرف λ، وهو المسافة بين قمتين متتاليتين، ولها تردد f وهو عدد الموجات التي تمر بنقطة في الثانية الواحدة ويقاس بالهرتز، ولها سرعة v. وتربط بينها العلاقة الأساسية:
v = f × λ وفي الضوء: c = f × λ
ومعنى ذلك أن الضوء ذا التردد الأكبر يكون طوله الموجي أصغر. والضوء المرئي له أطوال موجية تقع تقريبًا بين ٤٠٠ نانومتر للبنفسجي ونحو ٧٠٠ نانومتر للأحمر، والنانومتر جزء من مليار جزء من المتر.
ثانيًا: من الجسيمات إلى الموجات
اعتقد إسحاق نيوتن أن الضوء يتكون من جسيمات دقيقة، وكان من أنصار النظرية الموجية كريستيان هيغنز الذي فسّر انعكاس الضوء وانكساره بفكرة أن كل نقطة على جبهة الموجة تصبح مصدرًا لموجات ثانوية. ثم جاءت تجربة توماس يونغ في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي فأعطت الدليل الحاسم على الطبيعة الموجية، ثم وضع جيمس كلارك ماكسويل نظريته في القرن نفسه فبيّن أن الضوء موجة كهرومغناطيسية.
وفي القرن العشرين اتضح أن للضوء سلوكًا مزدوجًا؛ فهو يتصرف كموجة في ظواهر التداخل والحيود، ويتصرف كجسيمات تُسمى الفوتونات في الظاهرة الكهروضوئية التي فسّرها ألبرت أينشتاين. ولذلك يقال: للضوء طبيعة ثنائية موجية وجسيمية.
ثالثًا: التداخل وتجربة الشق المزدوج
التداخل هو تراكب موجتين أو أكثر في الحيز نفسه. فإذا التقت قمة بقمة حدث تداخل بنّاء وزاد السطوع، وإذا التقت قمة بقاع حدث تداخل هدّام وانعدم السطوع. في تجربة يونغ يسقط ضوء أحادي اللون على شقين ضيقين متقاربين، فتظهر على الشاشة المقابلة سلسلة من الأهداب المضيئة والمعتمة المتناوبة، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بأن الضوء موجات.
والمسافة بين هدبين مضيئين متتاليين تُعطى بالعلاقة:
Δy = λ × L ÷ d
حيث L بعد الشاشة عن الشقين، و d المسافة بين الشقين.
مثال محلول: سقط ضوء طوله الموجي ٦٠٠ نانومتر على شقين المسافة بينهما نصف مليمتر، وكانت الشاشة على بعد مترين. احسب المسافة بين هدبين مضيئين متتاليين.
Δy = (600 × 10-9 × 2) ÷ (0.5 × 10-3) = 2.4 × 10-3 m
أي أن المسافة بين الهدبين تساوي ٢٫٤ مليمتر تقريبًا.
رابعًا: الحيود
الحيود هو انحراف الموجة عن مسارها المستقيم وانتشارها خلف حافة عائق أو عند مرورها في فتحة ضيقة. ويظهر الحيود بوضوح عندما يكون عرض الفتحة قريبًا من الطول الموجي. ولأن أطوال موجات الضوء صغيرة جدًا، لا نلاحظ الحيود في حياتنا اليومية إلا بوسائل خاصة. وتستخدم محزوز الحيود الذي يحوي آلاف الشقوق الدقيقة في كل سنتيمتر لفصل الضوء إلى ألوانه، وهو أساس أجهزة التحليل الطيفي.
خامسًا: الاستقطاب
الضوء العادي تهتز مجالاته في اتجاهات كثيرة عمودية على اتجاه انتشاره، أما الضوء المستقطَب فتهتز موجته في مستوى واحد. ويمكن الحصول عليه بتمرير الضوء في مرشح خاص يسمى المستقطِب. وتفسير الاستقطاب لا يتم إلا إذا كانت الموجة مستعرضة، ولذلك كان الاستقطاب دليلًا على أن الضوء موجات مستعرضة وليس موجات طولية كالصوت. ومن تطبيقاته النظارات الشمسية التي تقلل وهج الضوء المنعكس عن الطرق والماء، وشاشات العرض البلورية.
سادسًا: الطيف الكهرومغناطيسي
| نوع الموجة | الطول الموجي (ترتيب تقريبي) | من استخداماتها |
|---|---|---|
| موجات الراديو | أكبر من مليمتر | البث والاتصالات |
| الميكروويف | من مليمتر إلى سنتيمترات | أفران الميكروويف والرادار |
| تحت الحمراء | أكبر من ٧٠٠ نانومتر | أجهزة التحكم عن بعد والتصوير الحراري |
| الضوء المرئي | من ٤٠٠ إلى ٧٠٠ نانومتر | الإبصار |
| فوق البنفسجية | أقل من ٤٠٠ نانومتر | التعقيم |
| الأشعة السينية | أصغر بكثير | التصوير الطبي |
| أشعة غاما | الأصغر | العلاج الإشعاعي |
وكلها تنتقل في الفراغ بسرعة الضوء نفسها، وتختلف في الطول الموجي والتردد والطاقة.
سابعًا: مسألة تطبيقية على التردد
مسألة: ما تردد ضوء أخضر طوله الموجي ٥٠٠ نانومتر؟
f = c ÷ λ = (3 × 108) ÷ (500 × 10-9) = 6 × 1014 Hz
أي أن تردده ستمئة مليون مليون هرتز تقريبًا.
النتائج
- الضوء موجة كهرومغناطيسية مستعرضة تنتقل في الفراغ بسرعة تقارب ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية.
- التداخل والحيود والاستقطاب ظواهر تثبت الطبيعة الموجية للضوء.
- الضوء المرئي جزء صغير من الطيف الكهرومغناطيسي، وللضوء كذلك سلوك جسيمي في بعض الظواهر.
- العلاقة c = f × λ تربط بين التردد والطول الموجي.
التوصيات
- إجراء تجربة الشق المزدوج في المختبر بمؤشر ليزر ومسطرة لمشاهدة الأهداب عمليًا.
- استخدام النظارات الواقية من الأشعة فوق البنفسجية عند التعرض الطويل للشمس.
- الاستزادة من علوم البصريات لارتباطها بالاتصالات والطب.
الخاتمة
تبين لنا في هذا البحث أن الضوء ظاهرة موجية كهرومغناطيسية، وأن تجربة يونغ وظواهر الحيود والاستقطاب قدمت أدلة قوية على ذلك، وأن الطيف الكهرومغناطيسي يضم أنواعًا كثيرة من الإشعاع يشكل الضوء المرئي جزءًا يسيرًا منها. وكلما ازددنا علمًا بهذه الظواهر ازددنا تقديرًا لإبداع الخالق سبحانه.
المراجع
- كتب الفيزياء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- كتاب «أساسيات الفيزياء» لهاليداي وريزنك وووكر (ترجمة عربية).
- كتاب «الفيزياء للعلماء والمهندسين» لسيرواي وجيويت.