مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد خلق الله الكائنات الحية وجعل فيها خصائص تنتقل من الآباء إلى الأبناء، فنجد الطفل يشبه أباه في لون العينين وأمه في شكل الوجه. وقد قال الله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: 54]

وهذه الظاهرة هي الوراثة، وقد وضع أسس دراستها الحديثة العالم النمساوي غريغور مندل في القرن التاسع عشر الميلادي. وفي هذا البحث نتعرف على الوراثة المندلية وتجاربه وقوانينه.

تعريف الموضوع

الوراثة هي انتقال الصفات من الآباء إلى الأبناء عبر الجينات الموجودة في الكروموسومات. والجين وحدة وراثية تتحكم في صفة معينة. أما الوراثة المندلية فهي الوراثة التي تتبع القوانين التي اكتشفها مندل، وتظهر في الصفات التي يتحكم فيها جين واحد له شكلان أو أكثر، يسمى كل شكل منها أليلًا.

أهمية الموضوع

تُعد الوراثة المندلية حجر الأساس لعلم الوراثة، فهي تفسر لماذا يشبه الأبناء آباءهم، ولماذا تظهر صفة في جيل وتختفي في جيل آخر. وتفيد في فهم بعض الأمراض الوراثية، وفي تحسين سلالات النباتات والحيوانات، وفي توقع احتمال ظهور صفات معينة في الأبناء.

أهداف البحث

  • التعرف على العالم مندل وسبب نجاح تجاربه.
  • توضيح مفاهيم الصفة السائدة والمتنحية والطراز الجيني والشكلي.
  • فهم التهجين الأحادي والثنائي ونسبه المعروفة.
  • شرح قانون انعزال الصفات وقانون التوزيع الحر.
  • تعلم استخدام مربع بانيت في توقع نتائج التزاوج.

العالم غريغور مندل

وُلد غريغور مندل في بلدة صغيرة في إمبراطورية النمسا، وصار راهبًا في ديرٍ بمدينة برنو، وكان يحب العلوم والرياضيات والنباتات. وفي حديقة الدير أجرى تجاربه الدقيقة على نبات البازلاء، واستمر فيها سنوات طويلة، ثم نشر نتائجه في ستينيات القرن التاسع عشر. ولم ينتبه العلماء لأهمية عمله في حياته، لكنهم أعادوا اكتشافه بعد وفاته بسنوات، ولذلك يُلقب بـ«أبي علم الوراثة».

لماذا اختار مندل نبات البازلاء؟

  • له صفات واضحة متضادة، مثل طول الساق وقصرها، ولون الأزهار، وشكل البذور.
  • سهل الزراعة، ودورة حياته قصيرة نسبيًا، فيعطي أجيالًا كثيرة.
  • يُخصَّب ذاتيًا بصورة طبيعية، ويمكن التحكم في التلقيح بين نبتتين مختلفتين.
  • ينتج أعدادًا كبيرة من النباتات والبذور، فتكون النتائج دقيقة.

وبدأ مندل بنباتات نقية السلالة، أي التي تعطي دائمًا الصفة نفسها عند التلقيح الذاتي، ثم لقّح بينها وتابع صفات الأجيال المتتابعة وسجّل أعدادها.

المفاهيم الأساسية

الصفة السائدة والمتنحية

الصفة السائدة هي التي تظهر في الفرد عند وجودها، حتى لو كان معها أليل آخر مختلف. والصفة المتنحية هي التي لا تظهر إلا إذا وُجد أليلاها متشابهين متنحيين. فعند تلقيح نبات طويل نقي مع نبات قصير نقي، كانت جميع نباتات الجيل الأول طويلة، لأن صفة الطول سائدة وصفة القصر متنحية، ثم ظهر القصر من جديد في الجيل الثاني.

الطراز الجيني والطراز الشكلي

الطراز الجيني هو التركيب الوراثي للفرد، ويُرمز له بالحروف، فيُرمز للأليل السائد بحرف كبير مثل T وللمتنحي بحرف صغير مثل t. فيكون الطراز TT نقيًا سائدًا، وTt هجينًا، وtt نقيًا متنحيًا. أما الطراز الشكلي فهو المظهر الخارجي الذي نراه، مثل نبات طويل أو قصير. فالطرازان TT وTt يختلفان في التركيب الجيني ويتشابهان في الشكل، وكلاهما طويل.

الأليلات

يحمل الفرد أليلين لكل صفة، أحدهما من الأب والآخر من الأم. فإن كان الأليلان متماثلين قيل إنه نقي أو متماثل الأليلات، وإن اختلفا قيل إنه هجين أو متباين الأليلات.

التهجين الأحادي

التهجين الأحادي هو دراسة صفة واحدة في التزاوج. لقّح مندل نباتًا طويلًا نقيًا (TT) بنبات قصير نقي (tt)، فكان كل أفراد الجيل الأول طويلة بتركيب Tt. ثم ترك نباتات الجيل الأول تُلقّح ذاتيًا، فظهر في الجيل الثاني نباتات طويلة وأخرى قصيرة. ويوضح مربع بانيت ذلك عند تزاوج فردين هجينين (Tt × Tt):

الأمشاجTt
T‎TT طويلTt طويل
t‎Tt طويلtt قصير

فنسبة الطراز الشكلي ثلاثة طويل إلى واحد قصير، وهي النسبة المشهورة 3 : 1. أما نسبة الطراز الجيني فهي واحد TT إلى اثنين Tt إلى واحد tt.

قانون انعزال الصفات

فسّر مندل هذه النتائج بأن لكل صفة عاملين وراثيين، ينفصلان عند تكوّن الأمشاج، أي الخلايا التناسلية، فيحمل كل مشيج عاملًا واحدًا فقط. ثم يجتمعان من جديد عند الإخصاب. ويُعرف هذا بـقانون انعزال الصفات أو القانون الأول لمندل، ومنه نفهم لماذا تعود الصفة المتنحية للظهور في الجيل الثاني.

التهجين الثنائي

التهجين الثنائي هو دراسة صفتين معًا. اختار مندل صفتين هما شكل البذور (كروية سائدة R ومجعدة متنحية r) ولونها (صفراء سائدة Y وخضراء متنحية y). ولقّح بين نباتات نقية ذات بذور كروية صفراء (RRYY) ونباتات ذات بذور مجعدة خضراء (rryy)، فكان كل الجيل الأول كرويًا أصفر بتركيب RrYy. وعند التلقيح الذاتي للجيل الأول ظهرت في الجيل الثاني أربعة أطراز شكلية:

الطراز الشكليالنسبة
بذور كروية صفراء9‎
بذور كروية خضراء3‎
بذور مجعدة صفراء3‎
بذور مجعدة خضراء1‎

وهي النسبة المشهورة 9 : 3 : 3 : 1. ويحتاج مربع بانيت هنا إلى ستة عشر مربعًا، لأن الفرد الهجين RrYy ينتج أربعة أنواع من الأمشاج هي RY وRy وrY وry.

قانون التوزيع الحر

من نتائج التهجين الثنائي استنتج مندل أن العاملين الوراثيين لصفة معينة يتوزعان على الأمشاج بصورة مستقلة عن توزع عاملي صفة أخرى. فلون البذرة لا يؤثر في شكلها، وقد ظهرت تراكيب جديدة لم تكن في الآباء، وهي الكروية الخضراء والمجعدة الصفراء. ويسمى ذلك قانون التوزيع الحر أو القانون الثاني لمندل. وقد تبيّن لاحقًا أن هذا القانون ينطبق على الجينات الموجودة على كروموسومات مختلفة، أما الجينات المتقاربة على الكروموسوم نفسه فقد تنتقل معًا.

حدود الوراثة المندلية

لا تتبع كل الصفات النمط المندلي البسيط، فبعض الصفات تتحكم فيها جينات عدة، مثل طول الإنسان ولون جلده، وبعضها له سيادة غير تامة تظهر فيها صفة وسطى بين الأبوين. ومع ذلك تبقى أفكار مندل الأساس الذي بُنيت عليه علوم الوراثة الحديثة.

الخاتمة

تبين لنا من هذا البحث أن العالم مندل بتجاربه الدقيقة على نبات البازلاء وضع أسس الوراثة، وأن الصفات تنتقل عبر عوامل وراثية تنعزل وتتوزع بحرية، وأن النسبة 3 : 1 وكذلك النسبة 9 : 3 : 3 : 1 تتكرر في نتائج التهجين. ونوصي الطلاب بالتدرب على مربعات بانيت لفهم الوراثة، وبالتأمل في عظمة الخالق الذي أودع في الكائنات هذا النظام الدقيق.

المراجع

  • كتب الأحياء المقررة في المرحلتين المتوسطة والثانوية بالمملكة العربية السعودية.
  • نيل كامبل وآخرون، الأحياء (Biology)، كتاب جامعي في علم الأحياء.
  • كتب علم الوراثة الجامعية المترجمة إلى العربية.
  • الموسوعة العربية العالمية، مادة «الوراثة».