مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فإن من أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى حق الوالدين، فهما سبب وجود الإنسان في هذه الدنيا، وقد أحاطاه بالرعاية والحنان صغيرًا، ولذلك قرن الله شكرهما بشكره في كتابه الكريم. وفي هذا البحث نتعرف على بر الوالدين ومكانته وصوره وثمراته وعاقبة عقوقهما.

تعريف الموضوع

البر في اللغة هو الإحسان والصلة والطاعة، وبر الوالدين هو الإحسان إليهما بالقول والفعل والمال وطاعتهما في المعروف وخفض الجناح لهما والدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما. وضده العقوق وهو إيذاؤهما أو مخالفتهما فيما لا معصية فيه أو التقصير في حقوقهما.

أهمية الموضوع

تظهر أهمية بر الوالدين في أنه من أحب الأعمال إلى الله وسبب لدخول الجنة وبركة العمر والرزق، وأنه أساس تماسك الأسرة والمجتمع، وفيه ترسيخ للوفاء ورد الجميل. وفي زمننا الذي ينشغل فيه الأبناء بالدراسة والعمل والأجهزة الذكية نحتاج إلى التذكير بهذا الحق العظيم.

أهداف البحث

  • بيان مكانة بر الوالدين في القرآن الكريم والسنة النبوية.
  • التعرف على صور البر في حياة الوالدين وبعد وفاتهما.
  • التحذير من العقوق وبيان عاقبته.
  • ذكر ثمرات البر في الدنيا والآخرة.
  • تقديم توصيات عملية لتحقيق البر في الواقع.

عناصر البحث

أولًا: بر الوالدين في القرآن الكريم

اقترن الأمر بالإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة بالأمر بتوحيد الله وعبادته، وهذا يدل على عظم حقهما. قال تعالى:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: 23–24]

وقال سبحانه مبينًا فضل الأم وتعبها:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]

وقال تعالى في آية أخرى:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15]

ومن الآيات أيضًا قوله تعالى:

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]

وقد مدح الله أنبياءه بالبر بآبائهم، فقال عن يحيى عليه السلام:

﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14]

وقال على لسان عيسى عليه السلام:

﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]

وحتى لو كان الوالدان على غير الإسلام فالإحسان إليهما في الدنيا بالمعروف مطلوب، مع بقاء الثبات على التوحيد وعدم طاعتهما في معصية الله، كما في قوله تعالى:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 8]

ثانيًا: بر الوالدين في السنة النبوية

سأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه النبي ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله، فقال له النبي ﷺ:

«الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» (رواه البخاري)

قال: ثم أي؟ فقال النبي ﷺ:

«ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» (رواه البخاري)

فجاء البر بعد الصلاة مباشرة، قبل الجهاد في سبيل الله. وجاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عمن هو أحق الناس بحسن صحبته، فأجابه النبي ﷺ:

«أُمُّكَ» (رواه البخاري)

ثم سأله: ثم من؟ فأجابه بالجواب نفسه، وسأله ثالثةً فأجابه بالجواب نفسه، ثم سأله في الرابعة فقال له النبي ﷺ:

«ثُمَّ أَبُوكَ» (رواه البخاري)

وفي هذا دليل على تقديم الأم في البر لما تحملته من مشقة الحمل والولادة والرضاعة والتربية. وحذّر النبي ﷺ من تضييع الفرصة في خدمة الوالدين عند الكبر، فقال:

«رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ» (رواه مسلم)

فقيل له: من يا رسول الله؟ فقال ﷺ:

«مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم)

ثالثًا: صور بر الوالدين

في حياتهما

  • طاعتهما في المعروف: وتنفيذ أوامرهما ما لم تكن معصية لله.
  • القول الكريم: الكلام اللين المحترم وعدم رفع الصوت أو إظهار الضجر منهما.
  • الخدمة والرعاية: العناية بصحتهما وطعامهما وملبسهما، ولا سيما في الكبر والمرض.
  • الإنفاق عليهما: سد حاجتهما المادية إذا احتاجا.
  • استئذانهما: في الأمور المهمة كالسفر والزواج مع حسن الاستشارة.
  • إدخال السرور عليهما: بالزيارة والهدية والجلوس معهما وإشراكهما في الأخبار الجميلة.
  • الدعاء لهما: بالصلاح والهداية والصحة.
  • صلة أصدقائهما وأقاربهما: وإكرامهم.

بعد وفاتهما

لا ينقطع البر بموت الوالدين، فيبقى الدعاء لهما والاستغفار وإنفاذ وصيتهما المشروعة وصلة رحمهما وإكرام صديقهما والصدقة عنهما. وقد بيّن النبي ﷺ أن عمل الإنسان ينقطع بموته إلا من أعمال بعينها منها الولد الصالح، فقال:

«إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (رواه مسلم)

رابعًا: عقوق الوالدين

العقوق من كبائر الذنوب، وقد قرنه النبي ﷺ بالشرك بالله، فقال لأصحابه:

«أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» (رواه البخاري)

قالها ثلاثًا، فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال ﷺ:

«الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» (رواه البخاري)

ومن صور العقوق: التأفف منهما، ورفع الصوت عليهما، ومخالفتهما بلا مسوغ، وهجرهما، وإهمال حاجاتهما، وإهمالهما في المرض والكبر بحجة الانشغال، والتبرم من خدمتهما. وعاقبة العقوق شؤم في الدنيا قبل الآخرة؛ فهو سبب للشقاء وضياع البركة وقسوة القلب، وصاحبه مهدد بعقوبة الآخرة ما لم يتب إلى الله ويصلح ما أفسد.

خامسًا: ثمرات بر الوالدين

  • رضا الله تعالى ودخول الجنة.
  • البركة في العمر والرزق.
  • تفريج الكربات واستجابة الدعاء، كما جاء في قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين توسل أحدهم ببره بوالديه.
  • رجاء أن يرزقه الله ذرية صالحة بارة به جزاءً وفاقًا.
  • راحة النفس وطمأنينة القلب.
  • القدوة الحسنة للأجيال.

سادسًا: وقفات عملية

يمكن للطالب أن يطبق البر في يومه: بالسلام على والديه صباحًا، وتقبيل رؤوسهما وأيديهما، والاستجابة السريعة إذا ناداه أحدهما، وتخفيف الأعباء عنهما في البيت، والاتصال بهما إذا سافر أو تأخر، وشكرهما على ما يقدمان. ومن قصّر في حقهما فعليه بالتوبة والاعتذار والبدء من اليوم بطلب رضاهما.

النتائج

  • بر الوالدين من أعظم الواجبات، وقد قرنه الله بعبادته وتوحيده.
  • الأم أولى الناس بحسن الصحبة، ثم الأب، ويدوم البر بعد وفاتهما بالدعاء والصدقة والصلة.
  • العقوق من كبائر الذنوب، وعاقبته وخيمة في الدنيا والآخرة.
  • للبر ثمرات عظيمة في الدين والدنيا وفي الأسرة والمجتمع.

التوصيات

  • غرس قيمة البر في الأبناء بالقدوة والتوجيه منذ الصغر.
  • تخصيص وقت يومي للجلوس مع الوالدين بعيدًا عن الأجهزة.
  • الدعاء لهما دائمًا والتصدق عنهما إذا تُوفيا.
  • الحرص على صلة الأرحام والأصدقاء الذين كانوا يحبهم الوالدان.

الخاتمة

بيّنا في هذا البحث مكانة بر الوالدين في القرآن والسنة وصور هذا البر وعاقبة تركه وثماره. ونسأل الله أن يرزقنا بر آبائنا وأمهاتنا أحياءً وأمواتًا، وأن يجزيهما عنا خير الجزاء، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم.

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • صحيح البخاري، وصحيح مسلم.
  • كتاب «الأدب المفرد» للإمام البخاري.
  • كتاب «رياض الصالحين» للإمام النووي، باب بر الوالدين وصلة الأرحام.
  • كتب التربية الإسلامية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، بر الوالدين