مقدمة البحث
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل في البحار آيات عظيمة، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن المحيطات تغطي معظم سطح كوكب الأرض، ومع ذلك فإن ما نعرفه عن أعماقها أقل مما نعرفه عن أجزاء كثيرة من اليابسة. وقاع المحيط ليس سهلًا مسطحًا كما قد يتخيل البعض، بل فيه جبال شاهقة ووديان عميقة وسهول واسعة. وفي هذا البحث نتعرف على خصائص قاع المحيط وتضاريسه وظروفه ومن يعيش فيه.
تعريف الموضوع
قاع المحيط هو سطح الأرض الصلب الذي يقع تحت مياه المحيطات، ويشمل كل ما عليه من تضاريس ورواسب. وهو جزء من القشرة الأرضية، وتسمى قشرته في أغلبها القشرة المحيطية، وهي أرقّ وأكثر كثافة من القشرة القارية. ويدرس هذه الخصائص علم المحيطات (الأوقيانوغرافيا) وعلم الجيولوجيا البحرية.
أهمية الموضوع
تأتي أهمية دراسة قاع المحيط من عدة جوانب، فهو يحوي ثروات معدنية ونفطية وغازية، وعليه تمر كابلات الاتصالات التي تنقل الإنترنت بين القارات، ويرتبط بحركة الصفائح الأرضية التي تسبب الزلازل والبراكين، كما يؤوي أنواعًا كثيرة من الكائنات، ويؤثر في تيارات المحيط والمناخ. ودراسته أيضًا تقود إلى فهم تاريخ الأرض وتكوّن القارات والمحيطات.
أهداف البحث
- التعريف بقاع المحيط وطبيعته.
- التعرف على المناطق الرئيسة من الحافة القارية إلى الأعماق السحيقة.
- وصف أهم التضاريس كالأخاديد والسلاسل الجبلية والجبال البحرية.
- بيان خصائص الرواسب والظروف الفيزيائية في الأعماق.
- معرفة الحياة في الأعماق وأهمية القاع للإنسان.
مناطق قاع المحيط
| المنطقة | الخصائص |
|---|---|
| الجرف القاري | امتداد اليابسة تحت الماء، قليل العمق ومنحدره لطيف، وفيه أغنى مناطق الصيد وأكثر ثروات النفط والغاز البحري |
| المنحدر القاري | ينحدر بشدة أكبر من الجرف نحو الأعماق، وتشقه أخاديد في بعض المواضع |
| المرتفع القاري | تراكم من الرواسب عند قاعدة المنحدر، يكون انحداره خفيفًا |
| السهل السحيق | أوسع مناطق القاع وأكثرها استواء، يغطيه طين دقيق، وعمقه عادة من ثلاثة آلاف إلى ستة آلاف متر |
| السلاسل الوسط محيطية والأخاديد | سلاسل جبلية تمتد في وسط المحيطات، وأخاديد سحيقة هي أعمق مناطق القاع |
التضاريس الكبرى في القاع
أولًا: السلاسل الجبلية الوسط محيطية
هي أطول سلاسل جبلية على سطح الأرض، تمتد في وسط المحيطات لآلاف الكيلومترات كأنها درز يحيط بالكوكب. وتتكون عند حدود الصفائح التكتونية المتباعدة، إذ يصعد الصهير من باطن الأرض فيبرد ويكوّن قشرة محيطية جديدة، ولذلك تعد هذه السلاسل مواضع نشاط بركاني وزلزالي. ومن أمثلتها سلسلة وسط الأطلسي. وتتباعد جانبا القاع عن هذه السلاسل ببطء شديد، مما يوسع المحيط على مدى ملايين السنين.
ثانيًا: الأخاديد المحيطية
هي أودية ضيقة وعميقة جدًا، تنشأ عند حدود الصفائح المتقاربة حين تنغمر صفيحة محيطية تحت صفيحة أخرى. وهي أعمق مناطق الأرض، وأعمق نقطة معروفة في المحيطات توجد في أخدود ماريانا في المحيط الهادئ، ويقارب عمقها أحد عشر كيلومترًا. وتحاذي الأخاديد عادة سلاسل البراكين والجزر البركانية.
ثالثًا: الجبال البحرية والجزر البركانية
الجبال البحرية جبال بركانية تنبثق من القاع ولا تصل قممها إلى السطح، وبعضها يرتفع فوق سطح الماء فيصير جزرًا بركانية. ويوجد في المحيطات آلاف من هذه الجبال، وهي موئل لتجمع أنواع كثيرة من الأسماك.
رابعًا: الفتحات الحرارية المائية
هي ينابيع حارة تنبثق من القاع قرب السلاسل الوسط محيطية، تخرج منها مياه ساخنة محملة بالمعادن، وتتكون حولها مداخن معدنية. وتعيش حولها كائنات فريدة لا تعتمد على ضوء الشمس.
الرواسب في قاع المحيط
يغطي أغلب القاع طبقة من الرواسب تختلف باختلاف مصدرها:
- رواسب قارية (مصدرها اليابسة): مثل الرمل والطين والحصى التي تحملها الأنهار والرياح، وتتجمع قرب السواحل.
- رواسب عضوية (حيوية): مكوّنة من هياكل كائنات بحرية دقيقة ميتة، كالعوالق الجيرية والسيليسية، وتتراكم ببطء شديد في الأعماق.
- رواسب معدنية: كعقيدات المنجنيز التي تحوي معادن مثل المنجنيز والنيكل والنحاس.
- رواسب أخرى: كالغبار البركاني والجسيمات الفضائية.
وتزداد سماكة الرواسب كلما ابتعدنا عن السلاسل الوسط محيطية لأن القاع هناك أقدم.
الظروف الفيزيائية في الأعماق
- الظلام التام: لا يصل ضوء الشمس إلى الأعماق الكبيرة، فيسود الظلام. وقد وصف القرآن الكريم ظلمات البحر العميق، فقال تعالى:
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40]
- البرودة: تنخفض درجة الحرارة في أعماق المحيط لتقترب من الصفر المئوي في كثير من المواضع، عدا ما حول الفتحات الحرارية.
- الضغط الهائل: يزداد الضغط مع العمق زيادة كبيرة، إذ يزيد بمقدار ضغط جوي واحد تقريبًا كل عشرة أمتار، فيصل في أعمق المواضع إلى مئات أضعاف الضغط الجوي عند السطح.
- الملوحة المتقاربة: تكون ملوحة المياه العميقة ثابتة نسبيًا.
- السكون النسبي: إذ تبقى التيارات هناك أبطأ من تيارات السطح.
الحياة في قاع المحيط
رغم قسوة الظروف في الأعماق، فهي ليست خالية من الحياة. فتعيش فيها أسماك وكائنات متكيّفة، بعضها يصدر ضوءًا حيويًا يستعمله لاصطياد الفرائس أو للتواصل، ومنها ما له عيون كبيرة جدًا أو لا عيون له، وبعضها يتغذى على بقايا الكائنات التي تهبط من الأعلى. وفي مواضع الفتحات الحرارية تعيش بكتيريا تستخلص الطاقة من مركبات كيميائية مثل كبريتيد الهيدروجين، وتشكل أساس سلسلة غذائية كاملة من ديدان أنبوبية وقشريات ومحار، دون الحاجة إلى ضوء الشمس. وتدل هذه الكائنات على دقة التكيف وسعة قدرة الخالق سبحانه.
أهمية قاع المحيط للإنسان
- مصدر للنفط والغاز في الجرف القاري.
- مصدر للمعادن كعقيدات المنجنيز والرواسب المعدنية.
- مجال لمد كابلات الاتصال الدولية.
- مجال للصيد والثروة السمكية، خاصة فوق الجرف القاري.
- سجل لتاريخ الأرض والمناخ بما تحويه الرواسب من أحافير.
ويستخدم العلماء في استكشاف القاع أجهزة السونار التي ترسل موجات صوتية وتقيس زمن عودتها، والغواصات المأهولة، والمركبات الآلية الموجهة عن بعد، والأقمار الصناعية. وقد ذكر الله تعالى فضله على عباده في البحر، فقال:
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: 12]
النتائج
- قاع المحيط متنوع التضاريس، فيه الجرف والمنحدر والسهول السحيقة والجبال والأخاديد.
- السلاسل الوسط محيطية أطول سلاسل جبلية في الأرض، وهي موضع تكوّن قشرة جديدة.
- أعمق مناطق الأرض هي الأخاديد المحيطية.
- الظلام والبرودة والضغط الشديد أبرز ظروف الأعماق، وتعيش فيها كائنات متكيفة.
التوصيات
- دعم أبحاث علوم المحيطات واستكشاف الأعماق بالتقنيات الحديثة.
- الاستفادة من ثروات القاع مع المحافظة على الحياة البحرية.
- منع التلوث بالنفايات والنفط الذي يصل إلى القاع ويضر بكائناته.
- تشجيع الطلاب على زيارة المتاحف البحرية ومراكز الأبحاث.
الخاتمة
تعرفنا في هذا البحث على قاع المحيط، فرأينا أنه عالم واسع متنوع التضاريس فيه الجرف والسهول والجبال والأخاديد، وأن ظروفه من ظلام وبرودة وضغط شديد لا تمنع الحياة من التكيف فيه. وكلما اكتشف العلماء شيئًا جديدًا عن الأعماق زاد يقيننا بعظمة الخالق. ونسأل الله أن ينفعنا بما علمنا.
المراجع
- كتب علوم الأرض والبيئة للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- القرآن الكريم.
- الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، مواد استكشاف المحيطات.
- كتب علم المحيطات (الأوقيانوغرافيا) الجامعية.