مقدمة البحث

الحمد لله الذي فرض علينا الصلوات الخمس وفتح لنا بابًا واسعًا من النوافل نتقرب بها إليه، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي كان أحرص الناس على الطاعة وأكثرهم عبادة لربه. أما بعد، فإن الصلاة عماد الدين وأعظم العبادات البدنية، وقد جعل الله لها إلى جانب الفرائض صلوات يتطوع بها العبد حبًّا في ربه وطلبًا لمرضاته. وفي هذا البحث نتعرف على صلاة التطوع: معناها وأنواعها وفضلها وأحكامها وحكمة مشروعيتها.

تعريف الموضوع

التطوع في اللغة هو فعل الطاعة على سبيل الاختيار، وصلاة التطوع في اصطلاح الفقهاء هي الصلاة التي ليست فرضًا على المسلم، ويُثاب فاعلها ولا يأثم تاركها. وتُسمّى أيضًا النافلة والسنة، والنافلة في اللغة هي الزيادة، فهي زيادة على الفرائض يتقرب بها العبد إلى ربه. وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في شأن قيام الليل:

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]

أهمية الموضوع

تظهر أهمية صلاة التطوع في أنها تعمّق صلة المسلم بربه، وتعوّده على المداومة على الطاعة، وتجبر ما قد يقع من نقص أو خلل في الفرائض. وهي مجال واسع للتنافس في الخير، فيها يرتفع الصالحون درجات، ولذلك ينبغي لكل طالب أن يعرف أنواع النوافل وأوقاتها حتى يحافظ على ما يستطيع منها.

أهداف البحث

  • بيان معنى صلاة التطوع وحكمها.
  • التعرف على أنواع النوافل المرتبطة بالفرائض والنوافل المستقلة.
  • معرفة فضل بعض النوافل من الأحاديث الصحيحة.
  • بيان آداب صلاة التطوع وأوقات النهي عنها.
  • استخلاص الحِكم من مشروعية النوافل وأثرها في حياة المسلم.

أولًا: حكم صلاة التطوع وفضلها

صلاة التطوع سنة مستحبة، وليست واجبة على المسلم إلا ما أوجبه على نفسه بنذر. وفضلها عظيم، فمن أحرص ما كان عليه النبي ﷺ المحافظة على النوافل. ومن أجمل ما ورد في فضلها حديث أم حبيبة رضي الله عنها، وقد سمعت النبي ﷺ يقول:

«مَنْ صَلَّى اثْنَتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» (رواه مسلم)

وهذه الركعات الاثنتا عشرة هي ما يسمّيه العلماء السنن الرواتب، أي التي كان النبي ﷺ يواظب عليها مع الفرائض. وقالت عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ:

«رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (رواه مسلم)

ثانيًا: حكمة مشروعية النوافل

الحديث عن أهمية النوافل يقودنا إلى أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة. قال أبو هريرة رضي الله عنه إنه سمع رسول الله ﷺ يقول:

«إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» (رواه الترمذي)

وجاء في تتمة هذا الحديث أن الله تعالى إذا وجد في الفريضة نقصًا نظر هل للعبد من تطوع، فتُكمَّل به الفريضة. ومن هنا كانت النوافل بمنزلة الوقاية لصلاة الفريضة، تسدّ ما قد يقع فيها من تقصير أو سهو أو قلة خشوع. ومن حِكَمها أيضًا:

  • زيادة الإيمان، لأن العبادة تقوّي القلب وتطهّره.
  • تعويد النفس على الانضباط والمثابرة.
  • الدخول في محبة الله تعالى بالتقرب إليه بما لم يفرضه.
  • تدريب الجسم والقلب على الوقوف بين يدي الله، فيسهل أداء الفرائض بخشوع.

ثالثًا: أنواع صلاة التطوع

تنقسم النوافل من حيث ارتباطها بغيرها إلى قسمين رئيسين:

القسم الأول: نوافل مقيّدة

وهي النوافل التي ترتبط بوقت أو بسبب معين، ومنها:

  • السنن الرواتب: هي النوافل التابعة للفرائض، وأكدها ركعتا سنة الفجر. ويذكر العلماء في الرواتب ركعتين قبل الفجر، وأربعًا قبل الظهر وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، فيكون المجموع اثنتي عشرة ركعة.
  • صلاة الوتر: سنة مؤكدة تُختم بها صلاة الليل، ووقتها بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.
  • تحية المسجد: ركعتان لمن دخل المسجد قبل أن يجلس.
  • سنة الوضوء: ركعتان بعد الوضوء.
  • صلاة الاستخارة: ركعتان لمن همّ بأمر ويريد أن يطلب من الله الخير فيه، ثم يدعو بدعاء الاستخارة المشهور.
  • صلاة الكسوف والاستسقاء وصلاة التراويح: نوافل ترتبط بأسباب معينة، فالكسوف يكون عند كسوف الشمس أو خسوف القمر، والاستسقاء عند طلب المطر، والتراويح في ليالي رمضان.

القسم الثاني: نوافل مطلقة

وهي النوافل التي لا ترتبط بسبب ولا بوقت محدد، فللمسلم أن يصلي منها ما شاء متى شاء إلا في أوقات النهي. ومن أبرزها:

  • قيام الليل: من أفضل النوافل وأشدها أثرًا في القلب، وقد مدح الله أهله في كتابه فقال:

﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: 16]

  • صلاة الضحى: تُصلى بعد ارتفاع الشمس قدر رمح وإلى قبيل الزوال، وأقلها ركعتان، وتُصلى مثنى مثنى.

رابعًا: آداب صلاة التطوع وأحكامها

  • النية: يجب أن ينوي المصلي نافلة معينة أو مطلقة بقلبه قبل الدخول فيها، ولا يلزم التلفظ بالنية.
  • الأفضل أن تُصلى في البيت: إلا ما شُرعت له الجماعة كالتراويح وصلاة الكسوف. فقد قال النبي ﷺ لأصحابه حين صلّوا معه في رمضان:

«قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ» (رواه البخاري)

  • التخفيف أو الإطالة: للمصلي أن يطيل في نافلته إذا كان وحده، وأن يخفف إذا كان وراءه من يتأذى.
  • أوقات النهي: يذكر الفقهاء ثلاثة أوقات يُنهى فيها عن الصلاة: من بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس، وحين تقوم الشمس في وسط السماء حتى تزول، ومن بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. وللعلماء تفصيل في الصلوات ذوات الأسباب كتحية المسجد، فيُرجع فيها إلى أهل العلم.
  • القضاء: من فاتته سنة راتبة بعذر فله أن يقضيها، والأمر في ذلك واسع.
  • الاعتدال: لا يتكلف المسلم من النوافل ما يشق عليه فيترك بعد ذلك، وأحب العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل.

خامسًا: صلاة التطوع في حياة الطالب

يستطيع الطالب أن يجعل للنوافل نصيبًا من يومه دون أن يخلّ بدراسته، فيحافظ على سنة الفجر قبل الذهاب إلى المدرسة، ويصلي ركعتين من الضحى إن تيسّر له، ويختم يومه بالوتر قبل النوم. وفي ذلك راحة للنفس وتنظيم للوقت وبركة في العمر والعمل. ومن أراد القوة في العبادة فليبدأ بالقليل الدائم ثم يزيد بالتدريج.

النتائج

  • صلاة التطوع هي ما زاد على الفرائض، وهي سنة يُثاب فاعلها ولا يأثم تاركها.
  • من أعظم النوافل السنن الرواتب، وأعظمها شأنًا ركعتا الفجر.
  • النوافل تنقسم إلى مقيّدة بوقت أو سبب ومطلقة.
  • من حِكم النوافل جبر النقص في الفرائض وزيادة الإيمان والقرب من الله.
  • الأفضل أن تُصلى النافلة في البيت إلا ما شُرعت له الجماعة.

التوصيات

  • المحافظة على السنن الرواتب ما أمكن، ولا سيما سنة الفجر.
  • تخصيص وقت يسير ثابت للضحى أو الوتر ثم الزيادة تدريجيًا.
  • تعلّم أحكام النوافل من كتب الفقه وأهل العلم الثقات.
  • تعويد الأبناء على النوافل بالقدوة والتشجيع.

الخاتمة

تبيّن لنا في هذا البحث أن صلاة التطوع باب عظيم من أبواب القرب من الله تعالى، وأنها تكمل الفرائض وترفع الدرجات وتزيد الإيمان. فعلى المسلم أن يحرص على المحافظة عليها قدر استطاعته، وأن يتعلم أحكامها وآدابها، وأن يتذكر دائمًا أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • صحيح البخاري، صحيح مسلم، جامع الترمذي.
  • رياض الصالحين للإمام النووي.
  • الفقه الميسر وكتب الفقه والتربية الإسلامية في مناهج وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، صلاة التطوع