مقدمة البحث
الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدّره تقديرًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن علم الكيمياء يكشف لنا أن هذا العالم كله مكوَّن من عناصر قليلة العدد نسبيًا، لكل منها خصائص مميزة. ومن أكثر العناصر إثارةً للاهتمام عنصر الفلور، وهو أنشط العناصر اللافلزية وأعلاها كهروسالبية. وفي هذا البحث نتعرف عليه وعلى خصائصه واستخداماته وأخطاره.
تعريف الموضوع
الفلور (Fluorine) عنصر كيميائي رمزه F، عدده الذري ٩ وكتلته الذرية تقارب تسعة عشر، ويقع في المجموعة السابعة عشرة من الجدول الدوري (مجموعة الهالوجينات) وفي الدورة الثانية. وهو غاز في الظروف العادية يتكون من جزيئات ثنائية الذرة F2 لونه أصفر شاحب مائل إلى الأخضر، ورائحته نفاذة حادة.
أهمية الموضوع
للفلور ومركباته استخدامات في الطب والصناعة وحياتنا اليومية، من معاجين الأسنان إلى الأواني غير اللاصقة. ودراسته مثال ممتاز لفهم العلاقة بين التركيب الإلكتروني للذرة وبين خصائص العنصر وتفاعلاته، كما أنه ينبهنا إلى ضرورة استخدام المواد الكيميائية بحكمة وحذر.
أهداف البحث
- التعرف على موقع الفلور في الجدول الدوري وتركيبه الإلكتروني.
- معرفة خصائصه الفيزيائية والكيميائية وسبب نشاطه الشديد.
- التعرف على وجوده في الطبيعة وطريقة فصله.
- بيان أهم مركباته واستخداماته.
- التنبيه إلى أخطاره وطرق الوقاية منها.
عناصر البحث
أولًا: التركيب الإلكتروني وسبب النشاط
للفلور تسعة إلكترونات تتوزع على مستويات الطاقة كما يلي:
F : 1s2 2s2 2p5
فله سبعة إلكترونات في مستوى التكافؤ، ينقصه إلكترون واحد فقط ليصل إلى التركيب المستقر لغاز النيون النبيل. ولذلك يميل بشدة إلى اكتساب إلكترون واحد مكوّنًا أيون الفلوريد F-، وتكون حالة تأكسده في مركباته (١-) دائمًا ما عدا الفلور الحر. وهو أعلى العناصر في الكهروسالبية، إذ تبلغ قيمتها نحو ٤ على مقياس باولنغ، أي أنه الأقوى جذبًا للإلكترونات في الروابط. ويعود نشاطه الكبير أيضًا إلى صغر حجم ذرته وضعف الرابطة بين ذرتي الفلور في جزيئه، فتنكسر بسهولة.
ثانيًا: الخصائص الفيزيائية
| الخاصية | القيمة أو الوصف |
|---|---|
| الحالة في الظروف العادية | غاز |
| اللون | أصفر شاحب |
| الرائحة | نفاذة مهيجة |
| نقطة الغليان | نحو ١٨٨ درجة مئوية تحت الصفر |
| نقطة الانصهار | نحو ٢٢٠ درجة مئوية تحت الصفر |
| النظائر المستقرة | نظير واحد هو فلور ١٩ |
ثالثًا: الخصائص الكيميائية
- أنشط اللافلزات: يتفاعل مع معظم العناصر، ويتفاعل حتى مع بعض الغازات النبيلة مثل الزينون في ظروف خاصة.
- التفاعل مع الهيدروجين: يتفاعل بعنف وانفجار حتى في الظلام والبرودة الشديدة مكوّنًا فلوريد الهيدروجين:
H2 + F2 → 2HF
- التفاعل مع الفلزات: يكوّن أملاحًا تسمى الفلوريدات، مثل فلوريد الصوديوم:
2Na + F2 → 2NaF
- عامل مؤكسد قوي جدًا: يستطيع إزاحة بقية الهالوجينات من أملاحها، فيزيح الكلور من كلوريد الصوديوم مثلًا:
F2 + 2NaCl → 2NaF + Cl2
- حمضه: يذوب فلوريد الهيدروجين في الماء مكوّنًا حمض الهيدروفلوريك، وهو حمض ضعيف نسبيًا لكنه شديد السمية والخطورة ويتفاعل مع الزجاج فيحفره.
رابعًا: الوجود في الطبيعة والفصل
لا يوجد الفلور حرًا في الطبيعة لشدة نشاطه، بل يوجد في صورة مركبات أهمها معدن الفلوريت (فلوريد الكالسيوم CaF2) ومعدن الكريوليت (فلوريد الصوديوم والألمنيوم) ومعدن الأباتيت الذي يحوي فلوريدًا وفوسفاتًا. وقد اشتق اسم الفلور من الكلمة اللاتينية المعبرة عن الانسياب، لأن الفلوريت كان يُضاف إلى المعادن لتسهيل انصهارها. وظلّ فصل العنصر حرًا عصيًّا على الكيميائيين زمنًا طويلًا لخطورته، حتى نجح الكيميائي الفرنسي هنري مواسان في عزله عام ١٨٨٦م بالتحليل الكهربائي لمحلول فلوريد البوتاسيوم في فلوريد الهيدروجين، ونال بسبب ذلك جائزة نوبل في الكيمياء عام ١٩٠٦م. ولا تزال الطريقة الصناعية قائمة على التحليل الكهربائي لمصهور من فلوريد البوتاسيوم وفلوريد الهيدروجين، لأن الفلور لا يمكن فصله بالمؤكسدات الكيميائية المعتادة.
خامسًا: أهم المركبات واستخداماتها
- فلوريد الصوديوم وفلوريد القصدير: تضاف إلى معاجين الأسنان وغسولات الفم لتقوية مينا الأسنان وتقليل التسوس.
- تفلون (PTFE): مادة بلاستيكية مقاومة للحرارة والمواد الكيميائية وغير لاصقة، تُستعمل لطلاء أواني الطهي وفي الأختام والعوازل. اكتُشفت مصادفةً عام ١٩٣٨م على يد روي بلانكيت.
- سادس فلوريد اليورانيوم: يستعمل في عمليات تخصيب اليورانيوم للصناعات النووية.
- الألمنيوم: يُستخدم الكريوليت في صهر الألمنيوم وتحضيره صناعيًا.
- حمض الهيدروفلوريك: يُستخدم في حفر الزجاج وتنظيف أشباه الموصلات في الصناعة الإلكترونية.
- المركبات المبرّدة: استُعملت مركبات الكلوروفلوروكربون (فريون) في الثلاجات وعلب الرش، ثم قُيّد استخدامها بسبب تدميرها لطبقة الأوزون، واستُبدل بها بدائل أقل ضررًا.
- الأدوية: تدخل ذرات الفلور في تركيب بعض الأدوية لتحسين فاعليتها.
سادسًا: الفلورايد والصحة
الفلورايد أيون الفلور الموجود في الماء والغذاء بنسب ضئيلة، وهو مفيد لبناء الأسنان والعظام عند تناوله بالمقدار المناسب. وتضيف بعض الدول كمية صغيرة منه إلى مياه الشرب للوقاية من التسوس، ويشدد الأطباء على أن الزيادة الكبيرة منه تسبب التسمم بالفلورايد (الفلوروزس) الذي تظهر آثاره في بقع على الأسنان وضعف في العظام، ولذلك ينبغي أن يُراقب مستواه في المياه، وألا يبتلع الأطفال معجون الأسنان.
سابعًا: الأخطار وإجراءات السلامة
غاز الفلور شديد السمية ويحرق الجلد والعينين والجهاز التنفسي، وقد يشتعل بعض المواد في اتصاله بها. وفلوريد الهيدروجين خطر جدًا لأنه ينفذ عبر الجلد ويؤثر في الكالسيوم في الجسم. ولذلك لا يتعامل معهما إلا مختصون في مختبرات مجهزة بملابس واقية ونظارات وأجهزة شفط، ويُمنع منعًا باتًا أن يجري الطالب تجارب عليهما.
النتائج
- الفلور عنصر عدده الذري ٩ من مجموعة الهالوجينات، وهو أعلى العناصر كهروسالبية وأنشطها.
- لا يوجد حرًا في الطبيعة بل في خامات مثل الفلوريت والكريوليت.
- فُصل لأول مرة بالتحليل الكهربائي على يد مواسان عام ١٨٨٦م.
- مركباته مفيدة في معاجين الأسنان والتفلون والصناعة، لكنه وبعض مركباته شديدة الخطورة.
التوصيات
- استخدام معجون أسنان يحوي الفلورايد بالكمية المناسبة وبإشراف الوالدين للصغار.
- الالتزام بتعليمات السلامة في المختبرات عند التعامل مع المواد الكيميائية.
- الحد من استخدام المركبات الضارة بالبيئة وطبقة الأوزون.
الخاتمة
عرضنا في هذا البحث عنصر الفلور: تركيبه وخصائصه ووجوده واستخداماته وأخطاره. وتبين أن هذا العنصر الصغير الحجم الشديد النشاط يجمع بين الفائدة والخطورة، وأن العلم الذي نتعلمه يدعونا إلى استعماله فيما ينفع وتجنب ما يضر.
المراجع
- كتب الكيمياء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- كتاب «الكيمياء العامة» لبراون ولومي وبورستن (ترجمة عربية).
- كتاب «Chemistry of the Elements» لغرينوود وإيرنشو.
- منظمة الصحة العالمية، المواد الإرشادية عن الفلورايد في مياه الشرب.