مقدمة البحث
الحمد لله الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد ظل الإنسان قرونًا يتساءل عن مكونات المادة: مم تتكون الأشياء من حولنا؟ وكيف تبدو أصغر وحدة فيها؟ وقد مرّ تصور العلماء عن الذرة بمراحل متعددة، كان لكل مرحلة نموذجها الذي فسّر ما عُرف من التجارب في زمنه. ومن أهم هذه النماذج نموذج بور الذري، الذي ربط بين تركيب الذرة وطاقة الإلكترونات وأطياف الضوء المنبعث منها.
تعريف الموضوع
نموذج بور هو نموذج للذرة وضعه العالم الدنماركي نيلز بور عام ١٩١٣ للميلاد، ويفترض أن الإلكترونات تدور حول النواة في مدارات دائرية محددة، لكل مدار منها طاقة ثابتة، وأن الإلكترون لا يشع طاقة ما دام في مداره، وإنما يمتص أو يبعث طاقة عندما ينتقل من مدار إلى آخر. وقد نجح هذا النموذج في تفسير طيف ذرة الهيدروجين تفسيرًا دقيقًا.
أهمية الموضوع
أهمية نموذج بور أنه كان جسرًا بين الفيزياء الكلاسيكية وفيزياء الكم، فقد أدخل فكرة تكميم الطاقة في تركيب الذرة، وفتح الباب لفهم الخواص الكيميائية للعناصر والأطياف الذرية التي يستفيد منها العلماء اليوم في تحليل المواد ودراسة النجوم والمجرات. كما أن مفاهيم مستويات الطاقة والانتقال بين المستويات ما زالت تُدرَّس في المرحلة الثانوية لأنها أساس لفهم الذرة.
أهداف البحث
- التعرف على تطور النماذج الذرية قبل بور.
- بيان الفرضيات الأساسية لنموذج بور.
- فهم مستويات الطاقة وكيفية حساب طاقة الإلكترون في ذرة الهيدروجين.
- تفسير طيف الهيدروجين بانتقالات الإلكترون.
- معرفة أوجه قصور النموذج وما جاء بعده.
أولًا: تطور النماذج الذرية قبل بور
| العالم | النموذج | فكرته |
|---|---|---|
| جون دالتون | الذرة الكروية الصلبة | الذرة كرة صلبة غير قابلة للتجزئة |
| طومسون | نموذج كعكة الزبيب | الذرة كرة موجبة الشحنة تتناثر فيها الإلكترونات السالبة |
| رذرفورد | النموذج النووي | معظم كتلة الذرة في نواة صغيرة موجبة، والإلكترونات تدور حولها |
| بور | النموذج الكمّي المبكر | الإلكترونات تدور في مدارات محددة الطاقة |
اكتشف رذرفورد النواة من تجربة قصف رقيقة من الذهب بجسيمات ألفا، إذ مرّ معظمها دون انحراف وانحرف بعضها بزوايا كبيرة، فدل ذلك على أن الذرة فراغ في معظمها وأن كتلتها مركزة في نواة صغيرة. غير أن نموذج رذرفورد واجه مشكلة، لأن الفيزياء الكلاسيكية تتوقع أن الإلكترون الدائر حول النواة يفقد طاقته تدريجيًّا فيسقط في النواة، بينما الذرات في الواقع مستقرة. وهنا جاء بور بحل جديد.
ثانيًا: فرضيات نموذج بور
- يدور الإلكترون حول النواة في مدارات دائرية محددة، لكل مدار طاقة ثابتة تسمى مستوى الطاقة.
- لا يشع الإلكترون طاقة ما دام يدور في مداره، ولذلك فالذرة مستقرة.
- لا يستطيع الإلكترون أن يوجد بين المدارات، وإنما ينتقل من مدار إلى آخر انتقالًا فجائيًّا.
- عند انتقال الإلكترون من مستوى طاقة أعلى إلى أدنى يبعث فوتونًا ضوئيًّا طاقته تساوي الفرق بين طاقتي المستويين، وعند الانتقال من أدنى إلى أعلى يمتص هذا المقدار من الطاقة.
ΔE = Ei − Ef = hν = hc / λ
حيث Ei طاقة المستوى الابتدائي، وEf طاقة المستوى النهائي، وh ثابت بلانك، وν تردد الفوتون، وλ طوله الموجي.
ثالثًا: مستويات الطاقة في ذرة الهيدروجين
أثبت بور أن طاقة الإلكترون في ذرة الهيدروجين تعطى بالعلاقة:
En = − 13.6 eV / n2
حيث n عدد صحيح موجب يسمى رقم المستوى الرئيس، وتدل الإشارة السالبة على أن الإلكترون مرتبط بالنواة، وأن الطاقة تزداد (تقترب من الصفر) كلما ابتعد الإلكترون. ويتناسب نصف قطر المدار مع مربع رقم المستوى:
rn = n2 a0
حيث a0 نصف قطر بور، وهو نصف قطر أول مدار في ذرة الهيدروجين، وقيمته تقارب ٠٫٥٣ أنجستروم. وبحساب الطاقة نجد:
| المستوى | الطاقة (إلكترون فولت) |
|---|---|
| n = 1 (الحالة المستقرة) | −13.6 |
| n = 2 | −3.40 |
| n = 3 | −1.51 |
| n = 4 | −0.85 |
| n = ∞ (الإلكترون حر) | 0 |
وتسمى طاقة المستوى الأول بالقيمة المطلقة طاقة التأين لذرة الهيدروجين، أي أقل طاقة لازمة لانتزاع الإلكترون منها وهي في حالتها المستقرة.
رابعًا: طيف ذرة الهيدروجين
عندما يُسخَّن غاز الهيدروجين أو يمر فيه تفريغ كهربائي تُثار ذراته، ثم تبعث ضوءًا إذا عاد الإلكترون إلى مستوى أدنى. وإذا حُلل هذا الضوء بالمنشور ظهر طيف خطي، أي خطوط ملونة منفصلة تفصل بينها مناطق مظلمة، وهو يختلف من عنصر إلى آخر ويُعد بصمة له. وقد فسّر بور هذه الخطوط، إذ كل خط يقابل انتقالًا بين مستويين محددين. وتُقسم الخطوط في سلاسل بحسب المستوى النهائي:
- سلسلة ليمان: الانتقال إلى المستوى الأول، وتقع في المنطقة فوق البنفسجية.
- سلسلة بالمر: الانتقال إلى المستوى الثاني، وفيها خطوط في المنطقة المرئية.
- سلسلة باشن: الانتقال إلى المستوى الثالث، وتقع في المنطقة تحت الحمراء.
خامسًا: مثال محلول
المسألة: احسب طاقة الفوتون المنبعث عند انتقال إلكترون ذرة الهيدروجين من المستوى الثالث إلى المستوى الثاني، ثم احسب طوله الموجي علمًا أن hc ≈ 1240 eV·nm.
الحل:
ΔE = E3 − E2 = (−1.51) − (−3.40) = 1.89 eV
λ = hc / ΔE = 1240 / 1.89 ≈ 656 nm
وهذا الطول الموجي يقع في المنطقة المرئية ويقابل اللون الأحمر، وهو أول خطوط سلسلة بالمر.
سادسًا: حدود نموذج بور
- لا يفسر إلا طيف الهيدروجين والأيونات المشابهة له التي فيها إلكترون واحد، ولا ينجح في الذرات متعددة الإلكترونات.
- لا يفسر التركيب الدقيق للخطوط الطيفية ولا انقسامها في المجال المغناطيسي.
- يعامل الإلكترون جسيمًا يدور في مسار معروف، بينما تبيّن لاحقًا أنه لا يمكن تحديد موضع الإلكترون وسرعته معًا بدقة مطلقة.
- لا يفسر الروابط الكيميائية تفسيرًا كاملًا.
وقد حلّ محله النموذج الميكانيكي الكمّي الذي تطور على يد شرودنغر وهايزنبرغ وغيرهما، وفيه لا يُرى الإلكترون في مدار ثابت، وإنما تُحسب احتمالية وجوده حول النواة في مناطق تسمى الفلكات. ومع ذلك يبقى نموذج بور مفيدًا لتعليم مفاهيم الطاقة المكممة والانتقالات.
النتائج
- وضع بور نموذجه عام ١٩١٣ ليفسر استقرار الذرة وطيف الهيدروجين.
- للإلكترون مستويات طاقة محددة، وطاقته في الهيدروجين تساوي سالب ١٣٫٦ إلكترون فولت مقسومًا على مربع رقم المستوى.
- ينتج الطيف الخطي من انتقال الإلكترون بين المستويات وانبعاث فوتونات بطاقات محددة.
- لا يصلح النموذج للذرات متعددة الإلكترونات، وقد حل محله النموذج الكمّي.
التوصيات
- التدرب على حل مسائل الانتقال بين المستويات بالعلاقات السابقة.
- مشاهدة أطياف الغازات بالمنشور أو بمحاكاة حاسوبية للتعرف عليها.
- مقارنة النماذج الذرية المختلفة وبيان سبب تطور كل منها.
الخاتمة
درسنا في هذا البحث نموذج بور الذري، وعرفنا أنه خطوة مهمة في تاريخ العلم نقلت الفيزياء من تصور الذرة الكلاسيكي إلى تصور تكون فيه الطاقة مكممة. وقد نال بور جائزة نوبل في الفيزياء عام ١٩٢٢ تقديرًا لجهوده. والتقدم العلمي مسيرة متصلة، يبني فيها كل جيل على ما قدمه الجيل السابق، وهذا يعلّمنا التواضع في طلب العلم وعدم التوقف عن البحث.
المراجع
- كتب الكيمياء والفيزياء للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- كتب الكيمياء العامة الجامعية في موضوع التركيب الذري.
- كتب الفيزياء الحديثة الجامعية في موضوع نشأة نظرية الكم.
- موسوعة بريتانيكا، مدخل نيلز بور.