مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن من الأمور الغيبية التي أخبرنا الله بها في كتابه، وأخبرنا بها رسوله ﷺ، أن للساعة علامات تسبقها، منها علامات صغرى وعلامات كبرى. ومن العلامات الكبرى خروج يأجوج ومأجوج، وهما أمّتان عظيمتان ذكرهما الله في القرآن الكريم مرتين. وفي هذا البحث نذكر ما ثبت من أخبارهما بالآيات والأحاديث الصحيحة، ونبتعد عن القصص التي لا دليل عليها.
تعريف الموضوع
يأجوج ومأجوج اسمان لأمتين من بني آدم، كثيرتي العدد، تفسدان في الأرض، وقد حبسهما ذو القرنين وراء سد عظيم بناه من الحديد والنحاس المذاب، وسيخرجان قبل قيام الساعة بإذن الله تعالى. وهما من أشراط الساعة الكبرى، وهي أمور عظيمة تدل على قرب نهاية الدنيا. والإيمان بخروجهما جزء من الإيمان باليوم الآخر الذي هو من أركان الإيمان.
أهمية الموضوع
- الإيمان بما أخبر الله ورسوله من الغيب من تمام الإيمان.
- معرفة علامات الساعة تدفع المسلم إلى الاستعداد للآخرة والمسارعة إلى العمل الصالح.
- الاعتبار بقصة ذي القرنين والاقتداء بأخلاقه في استعمال القوة والمُلك في الخير.
- التمييز بين الصحيح الثابت والروايات المكذوبة التي تنتشر عن هذه الأمم.
أهداف البحث
- بيان معنى يأجوج ومأجوج وما ورد عنهم في القرآن الكريم.
- عرض قصة بناء السد مع ذي القرنين.
- ذكر الأحاديث الصحيحة المتعلقة بخروجهم.
- التحذير من الخرافات والإسرائيليات المنتشرة حولهم.
- استخلاص الدروس والعبر من الموضوع.
محاور البحث
أولًا: ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن الكريم
وردا في سورتين: سورة الكهف وسورة الأنبياء. ففي قصة ذي القرنين أخبر الله أنه وصل في رحلته إلى مكان بين جبلين، فوجد قومًا لا يكادون يفهمون كلامًا، فشكوا إليه ما يلقون من إفساد يأجوج ومأجوج، قال تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: 93–94]
فعرض القوم على ذي القرنين أن يدفعوا له مالًا ليبني بينهم وبين هؤلاء سدًا، فرفض أن يأخذ على ذلك أجرًا، واعتمد على فضل الله وطلب منهم العون بالجهد والقوة:
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ [الكهف: 95–96]
وبذلك تم بناء السد، وعجز يأجوج ومأجوج عن تسلقه وعن حفره:
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: 97]
ولم ينسب ذو القرنين الفضل لنفسه، بل شكر ربه وأخبر أن هذا السد لا يدوم إلا بمشيئة الله:
﴿قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: 98]
ثانيًا: ذو القرنين وأخلاقه
ذو القرنين رجل صالح مكّن الله له في الأرض ويسّر له أسباب القوة والتمكين. ولم يحدد القرآن الكريم اسمه ولا زمانه ولا مكانه، ولم يثبت في ذلك خبر صحيح عن النبي ﷺ، فلا ينبغي الجزم بشخصية معينة. وتظهر في قصته أخلاق عظيمة، منها:
- نسبة الفضل لله وحده، كما في ختام الآيات السابقة.
- الزهد في المال والتعفف عن أخذ الأجر على نفع الناس.
- الاستعانة بجهود الناس وتنظيمها لإنجاز العمل الكبير.
- الإحسان إلى المستضعفين ونصرتهم بالحق.
- التواضع رغم القوة والسلطان.
ثالثًا: السد وصفته
أمر ذو القرنين بجمع قطع الحديد، ووضعها بين الجبلين حتى ساوت قمتيهما، ثم أمرهم بالنفخ عليها بالنار حتى صارت كالنار، ثم صبّ عليها النحاس المذاب لتتماسك. وهو بناء يدل على مستوى متقدم من المعرفة بصناعة المعادن في ذلك الزمان. وقد أخبر الله أنهم لم يستطيعوا أن يعلوه ولا أن يثقبوه. والسد قائم إلى أن يأذن الله بخروجهم، وهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فلا يصح الجزم بمكانه بلا دليل.
رابعًا: خروجهم من أشراط الساعة
أخبر الله في سورة الأنبياء أن خروج يأجوج ومأجوج يكون قرب قيام الساعة، فقال تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ [الأنبياء: 96–97]
وفي ختام قصة السد من سورة الكهف يبين الله أن الناس يومئذ يضطرب بعضهم في بعض عند اقتراب القيامة:
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ۖ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: 99]
خامسًا: الأحاديث الصحيحة في شأنهم
روت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا وهو يقول:
«لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» (رواه البخاري)
وحلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها، أي جعل بينهما حلقة. قالت زينب: فقلت يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال ﷺ:
«نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ» (رواه البخاري)
وفي هذا الحديث تحذير للمسلمين من الفساد، وبيان أن كثرة الخبث وانتشار المعاصي سبب لعموم البلاء ولو كان فيهم صالحون. وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال:
«فَتَحَ اللَّهُ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا» (رواه البخاري)
وعقد بيده تسعين، أي جعل إصبعيه بما يشبه الحلقة، إشارة إلى صغر الفتحة التي فُتحت في السد. وقد ثبت في صحيح مسلم أن خروجهم يكون بعد نزول عيسى ابن مريم عليه السلام وقتله الدجال، وأن الله يأمر عيسى عليه السلام بأن يضم المؤمنين إلى جبل الطور لأنه لا قدرة لأحد على قتالهم، ثم يستجيب الله دعاء عيسى والمؤمنين فيهلكهم. ولا يعلم أحد وقت ذلك إلا الله.
سادسًا: ما يجب الحذر منه
انتشرت في بعض الكتب والمواقع قصص عن أشكالهم وأجسامهم وأعدادهم وأماكنهم، وربط بعض الناس بينهما وبين أمم معروفة اليوم، وأكثر ذلك مما لا يصح فيه نقل ولا عقل، أو من الإسرائيليات التي يجب التوقف فيها. والواجب على المسلم أن يقتصر على ما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة، وألا يخوض في تفاصيل الغيب بالظن.
سابعًا: ملخص ما ثبت
| المسألة | الدليل |
|---|---|
| أنهم أمّتان مفسدتان في الأرض | سورة الكهف |
| أن ذا القرنين بنى سدًا يحجزهم | سورة الكهف |
| أن السد سيندك بإذن الله | سورة الكهف |
| أن خروجهم قرب قيام الساعة | سورة الأنبياء |
| أن السد فُتح منه شيء يسير | صحيح البخاري |
| أن خروجهم بعد نزول عيسى عليه السلام | صحيح مسلم |
النتائج
- يأجوج ومأجوج أمّتان من بني آدم كثيرتا العدد مفسدتان في الأرض.
- حجزهما ذو القرنين بسد من الحديد والنحاس، ويخرجان بإذن الله قبل قيام الساعة.
- خروجهما علامة كبرى من علامات الساعة وردت في القرآن والسنة الصحيحة.
- لا يصح الخوض في تحديد مكان السد ولا في تفاصيل غير ثابتة عنهما.
التوصيات
- الاقتصار على الأدلة الصحيحة في أمور الغيب.
- الاستعداد ليوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح والابتعاد عن الذنوب.
- الاقتداء بذي القرنين في التواضع ونفع الناس وطلب الأجر من الله.
- تحذير الناس من القصص المكذوبة والخرافات حول هذا الموضوع.
الخاتمة
عرفنا في هذا البحث أن خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى التي أخبر بها الله ورسوله، وأن قصة السد تحمل دروسًا في الإخلاص والتعاون والتواضع. فعلى المسلم أن يؤمن بما صح من أخبار الغيب، ويستعد للقاء ربه بالعمل الصالح، ويسأل الله حسن الخاتمة. والحمد لله رب العالمين.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم.
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير.
- النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير.
- أشراط الساعة ليوسف بن عبد الله الوابل.