مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. أما بعد، فإن قصص الأنبياء في القرآن الكريم ليست للتسلية، بل هي دروس وعبر للمؤمنين. ومن أجمل هذه القصص قصة نبي الله يوسف عليه السلام، وقد سمّى الله سورة كاملة باسمه وبيّن في بدايتها مكانة قصته، فقال تعالى:

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3]

وفي هذا البحث نتعرف على سيرة يوسف عليه السلام والدروس التي نتعلمها منها.

تعريف الموضوع

يوسف عليه السلام نبي كريم من أنبياء الله، وهو ابن نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وقد وهبه الله جمالًا في الخلقة وحسنًا في الخلق وعلمًا بتأويل الأحاديث. وقد بيّن النبي ﷺ شرف نسبه، فقال:

«الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ» (رواه البخاري)

أهمية الموضوع

تظهر أهمية دراسة قصة يوسف عليه السلام في أنها تجمع الصبر على الابتلاء والعفة عند الفتنة والأمانة في العمل والعفو عند المقدرة، وتبيّن أن العاقبة للمتقين. وفيها أيضًا درس للأسرة في أثر الغيرة والحسد، وكيف يجمع الله الشمل بعد الفرقة.

أهداف البحث

  • التعرف على نسب يوسف عليه السلام ومكانته.
  • تتبع مراحل قصته كما وردت في القرآن الكريم.
  • استخراج أهم الدروس والعبر من قصته.
  • الاقتداء بصفاته الكريمة في الصبر والعفة والأمانة والعفو.

مراحل قصة يوسف عليه السلام

أولًا: الرؤيا

رأى يوسف عليه السلام وهو صغير رؤيا عجيبة فحكاها لأبيه يعقوب عليه السلام، قال الله تعالى:

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]

ففهم يعقوب أن لابنه شأنًا عظيمًا، ونصحه ألا يقص رؤياه على إخوته خوفًا من أن يكيدوا له بدافع الحسد.

ثانيًا: كيد الإخوة والبئر

اشتدت غيرة إخوة يوسف منه لأنهم رأوا حب أبيهم له، فاتفقوا على إبعاده عن أبيه، وطلبوا من أبيهم أن يرسله معهم ليلعب، ثم ألقوه في قاع البئر. وأوحى الله إليه مطمئنًا:

﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: 15]

ثم عادوا إلى أبيهم يبكون ويدّعون أن الذئب أكله، لكن يعقوب عليه السلام صبر صبرًا جميلًا وفوض أمره إلى الله.

ثالثًا: في بيت العزيز بمصر

مرّت قافلة من المسافرين، فأخرجوا يوسف من البئر وباعوه في مصر بثمن قليل. واشتراه رجل من كبار أهل مصر وهو العزيز، وأوصى زوجته بإكرامه. فنشأ يوسف في بيته، وآتاه الله حكمًا وعلمًا.

رابعًا: الفتنة والعفة

تعرّض يوسف عليه السلام لفتنة عظيمة حين راودته امرأة العزيز عن نفسه، وكان وحده معها في البيت، لكنه استحضر مراقبة الله وامتنع، قال الله تعالى:

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: 23–24]

فكان يوسف قدوة للشباب في العفة وخوف الله، وقد نجّاه الله ببراءته، وشهد شاهد من أهل المرأة بصدقه.

خامسًا: السجن

دخل يوسف السجن ظلمًا بعد أن ظهرت له براءته، وآثر السجن على الوقوع في المعصية، وقال داعيًا ربه:

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]

وفي السجن دعا زملاءه إلى توحيد الله، وفسّر لهم رؤاهم، فكان محسنًا لمن حوله وهو في أشد الحاجة إلى العون.

سادسًا: تفسير رؤيا الملك وتولي الخزائن

رأى ملك مصر رؤيا عجيبة، فعجز من حوله عن تفسيرها، وتذكر أحد من كان معه في السجن يوسف، فأرسل إليه. ففسر يوسف الرؤيا بأن البلاد ستمر بسنوات من الخصب ثم سنوات من القحط، ونصحهم بتخزين الحبوب. فأعجب الملك بعلمه وأمانته، وخرج يوسف من السجن بعد ظهور براءته. ثم طلب يوسف أن يتولى مسؤولية خزائن الأرض، قال الله تعالى:

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]

فأصبح يوسف عليه السلام مسؤولًا عن أمن مصر الغذائي، فخزّن الحبوب في سنوات الخصب بحكمة، فعاش الناس في سنوات القحط دون هلاك.

سابعًا: لقاء الإخوة والعفو

أصاب القحط البلاد المجاورة، فجاء إخوة يوسف إلى مصر يطلبون الطعام، فعرفهم وهم له منكرون. ثم أراد الله أن يجمع الشمل، فكشف لهم عن نفسه بعد مواقف عدة. وعندما اعتذروا إليه قال لهم ما يدل على سعة صدره وكرم نفسه:

﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92]

وانتقل أبوه يعقوب وأهله إلى مصر، وتحققت الرؤيا التي رآها يوسف صغيرًا، فقال شاكرًا ربه على ما أنعم عليه:

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100]

الدروس والعبر من قصة يوسف عليه السلام

الموقفالدرس المستفاد
حسد الإخوةخطر الحسد والغيرة، وضرورة العدل بين الأبناء ورعاية القلوب
صبر يعقوبالصبر الجميل عند البلاء والتوكل على الله
العفة عند الفتنةمراقبة الله تعصم من المعصية، والاستعانة بالله عند الشدائد
السجن والدعوةالداعية الصادق يدعو إلى الله في كل مكان وفي كل حال
الأمانة والعلمالكفاءة والأمانة من شروط تولي المسؤوليات
العفو عن الإخوةالعفو عند المقدرة من أعظم الأخلاق
تحقق الرؤياتدبير الله حكيم، وبعد العسر يسر

صفات يوسف عليه السلام

  • الصبر: على البئر والغربة والسجن.
  • العفة: في الفتنة التي تعرض لها.
  • الأمانة والحفظ: حين تولى خزائن مصر.
  • الدعوة إلى التوحيد: حتى في أصعب الظروف.
  • العفو والتسامح: مع إخوته الذين ظلموه.
  • الشكر: نسب كل فضل إلى الله.

النتائج

  • يوسف عليه السلام نبي كريم ابن نبي كريم، أنعم الله عليه بالعلم والحكمة.
  • مرّت حياته بابتلاءات عظيمة صبر عليها فكانت العاقبة له.
  • العفة والأمانة والعلم أسباب لرفعة الإنسان في الدنيا والآخرة.
  • العفو والتسامح يجمعان الأسرة ويطفئان نار الحسد.

التوصيات

  • قراءة سورة يوسف وتدبر معانيها والاستفادة من عبرها.
  • تربية الأبناء على التسامح والبعد عن الحسد.
  • الصبر عند البلاء وحسن الظن بالله.
  • الحرص على الأمانة والإتقان في العمل والمسؤولية.

الخاتمة

تعرّفنا في هذا البحث على سيرة نبي الله يوسف عليه السلام من الرؤيا إلى التمكين، وتعلمنا أن الصبر والعفة والأمانة والعفو أخلاق عظيمة ترفع صاحبها. فعلينا أن نقتدي بالأنبياء في أخلاقهم، وأن نثق بأن الله مع الصابرين المتقين. نسأل الله أن يجعلنا ممن يتعظ بقصص الأنبياء ويعمل بها.

المراجع

  • القرآن الكريم، سورة يوسف.
  • صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء.
  • تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير.
  • قصص الأنبياء، للحافظ ابن كثير.
  • كتب التربية الإسلامية والدراسات الإسلامية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، يوسف عليه السلام