مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين. أما بعد، فإن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان الستة، وهو من أعظم ما يحرّك القلب إلى الطاعة ويزجره عن المعصية. وقد تكرر ذكر القيامة في القرآن الكريم كثيرًا، لأن الإنسان إذا أيقن أنه محاسب على عمله استقام على الطريق. قال الله تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [ال عمران: 185]

وفي هذا البحث نتعرف على يوم القيامة وما ورد في القرآن والسنة الصحيحة من أخباره، ملتزمين بما ثبت بالدليل، فإن أمور الغيب لا تُعرف إلا بالوحي.

تعريف الموضوع

يوم القيامة هو اليوم الذي يبعث الله فيه الخلائق من قبورهم للحساب والجزاء، فيدخل المؤمنون الجنة ويدخل الكافرون النار. وسمي بذلك لقيام الناس فيه لرب العالمين، وهو اليوم الآخر لأنه لا يوم بعده. ويدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر الله ورسوله ﷺ به مما يكون بعد الموت، من فتنة القبر ونعيمه وعذابه، ثم البعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار.

أهمية الموضوع

تظهر أهمية هذا الموضوع في أن الإيمان باليوم الآخر يربي في النفس المراقبة لله والشعور بالمسؤولية عن الأعمال، ويعين المسلم على الصبر على البلاء وترك الظلم والحرص على أداء الحقوق، لأنه يعلم أن العدل التام يكون يوم القيامة. كما أن الجهل بأمور الغيب أو الخوض فيها بلا دليل يوقع في الخرافات، فالواجب الرجوع إلى القرآن والسنة الصحيحة.

أهداف البحث

  • التعرف على معنى يوم القيامة وأسمائه الواردة في القرآن الكريم.
  • بيان العلامات الكبرى للساعة كما جاءت في الحديث الصحيح.
  • التعرف على مراحل اليوم الآخر من النفخ في الصور إلى استقرار أهل الجنة والنار.
  • بيان ثمرات الإيمان باليوم الآخر في حياة المسلم.
  • الاقتصار على ما ثبت بالنصوص الصحيحة وترك الخوض في المغيبات بلا علم.

عناصر البحث

أولًا: أسماء يوم القيامة

للقيامة في القرآن الكريم أسماء كثيرة تدل على عظم شأنها وما فيها من الأحداث، من أشهرها:

الاسممعناه
يوم الدينيوم الجزاء والحساب
الساعةالوقت الذي تقوم فيه القيامة
الواقعةالأمر العظيم الذي يقع لا محالة
الحاقةالأمر الحق الذي لا شك في وقوعه
القارعةالتي تقرع القلوب بهولها
يوم التغابنيوم يظهر فيه الغبن لمن ضيّع عمره
يوم الحسرةيوم يتحسر فيه المقصّرون

ثانيًا: وقت قيام الساعة

علم وقت قيام الساعة مما استأثر الله به، فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل. وأخبر النبي ﷺ بقرب الساعة وأنه بعث في آخر الزمان:

«بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» (رواه البخاري)

وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. ومعناه أن بعثته قريبة من قيام الساعة في عمر الدنيا، ومن ادعى أنه يعرف موعدها بالتحديد فقد ادعى علم الغيب.

ثالثًا: العلامات الكبرى للساعة

جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ خرج على أصحابه وهم يتذاكرون فسألهم:

«مَا تَذَاكَرُونَ» (رواه مسلم)

فأجابوه أنهم يذكرون الساعة، فقال ﷺ:

«إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ» (رواه مسلم)

ثم عدّ هذه الآيات العشر، وهي: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخرها نار تخرج من اليمن تسوق الناس إلى محشرهم. وقد بين النبي ﷺ أن طلوع الشمس من مغربها إذا وقع انقطعت عنده التوبة:

«لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ» (رواه البخاري)

والواجب علينا أن نؤمن بهذه العلامات كما وردت دون تحديد تواريخها أو تأويلها بالأهواء، وأن نستعد بالعمل الصالح لا بحساب مواعيد لا يعلمها إلا الله.

رابعًا: النفخ في الصور والبعث

إذا انتهى أجل الدنيا أمر الله إسرافيل عليه السلام بالنفخ في الصور، فيصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فيقوم الناس للحساب. وقد وصف القرآن ذلك:

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]

وقبل ذلك تتغير معالم الكون، فتنتثر الكواكب وتكوّر الشمس وتسيّر الجبال، كما قال تعالى:

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير: 1–6]

وتحدث الأرض بما عليها من أعمال، وتخرج أثقالها:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: 1–8]

خامسًا: الحشر وأهواله

يجمع الله الخلائق في صعيد واحد للحساب. وقد وصف النبي ﷺ حال الناس عند الحشر، وسألته عائشة رضي الله عنها عن أحوال الرجال والنساء حينئذ. قال ﷺ:

«تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً» (رواه البخاري)

فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فأجابها ﷺ:

«الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ» (رواه البخاري)

أي أن هول الموقف يشغل كل إنسان بنفسه. وفي ذلك اليوم العصيب يظلّ الله سبعة أصناف من الناس في ظله، قال ﷺ:

«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (رواه البخاري)

سادسًا: الحساب والكتاب والميزان

يحاسب الله عباده، وتُعرض عليهم أعمالهم المكتوبة، فلا يترك صغيرة ولا كبيرة. قال تعالى:

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: 13–14]

ويوم القيامة تُنصب الموازين لتوزن بها الأعمال بالقسط، قال سبحانه:

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]

ومن الأسئلة التي يُسأل عنها العبد يومئذ ما بيّنه النبي ﷺ:

«لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ» (رواه الترمذي)

وقد بيّن النبي ﷺ أن أول ما يقضى فيه بين الناس في حقوق العباد هو الدماء:

«أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» (رواه مسلم)

وفي هذا تعظيم لحرمة النفس، وتحذير من الاعتداء على حقوق الناس، فإن حقوق العباد لا تسقط إلا بأدائها أو بعفو أصحابها.

سابعًا: الصراط والجنة والنار

بعد الحساب يمر الناس على الصراط المنصوب على جهنم، فينجو من نجّاه الله بعمله، ثم يستقر الناس في دارين: دار النعيم للمؤمنين وهي الجنة التي أعدها الله لعباده المتقين، ودار العذاب لمن كفر وظلم، وهي النار نعوذ بالله منها. وقد بيّن القرآن أن الجنة والنار حق، وأن الله وعد المتقين برضوانه. وأما تفاصيل نعيم الجنة وعذاب النار فنقف فيها عند ما صح من النصوص.

ثامنًا: ثمرات الإيمان باليوم الآخر

  • الرغبة في فعل الطاعات رجاء ثواب ذلك اليوم.
  • الخوف من المعاصي والظلم خشية العقاب.
  • السلوى للمؤمن عما يفوته من الدنيا، لعلمه بما أعده الله له.
  • الصبر على الابتلاءات لأن العدل التام سيتحقق.
  • استشعار المراقبة لله في السر والعلن.

تاسعًا: الاستعداد للقاء الله

الاستعداد ليوم القيامة يكون بتحقيق التوحيد، وأداء الفرائض، واجتناب المحرمات، ورد المظالم إلى أهلها، والإكثار من الصدقة وذكر الله والتوبة. والموفق من أدرك أن الدنيا مزرعة الآخرة فلم يغتر بزخرفها.

النتائج

  • الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، ويشمل كل ما يكون بعد الموت.
  • علم وقت الساعة عند الله وحده، ولها علامات كبرى ثبتت في الصحيح.
  • تمر القيامة بمراحل: النفخ والبعث والحشر والحساب والميزان والصراط ثم الجنة أو النار.
  • يثمر الإيمان باليوم الآخر استقامة في السلوك ومراقبة لله.

التوصيات

  • الرجوع إلى القرآن والسنة الصحيحة وكتب أهل العلم الموثوقة في أمور الغيب.
  • الحذر من الأخبار المنتشرة في وسائل التواصل التي تحدد مواعيد أو تفاصيل لا دليل عليها.
  • الإكثار من العمل الصالح والمحاسبة الدائمة للنفس.
  • غرس الإيمان باليوم الآخر في نفوس الأبناء بأسلوب يبعث الأمل والخوف معًا.

الخاتمة

تناولنا في هذا البحث يوم القيامة من خلال النصوص الثابتة، فبيّنا أسماءه وعلاماته ومراحله وثمرات الإيمان به. وإن العاقل من أدرك أن الدنيا ممر وأن القرار في الآخرة، فعمل لما بعد الموت. نسأل الله أن يحسن خاتمتنا، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يدخلنا الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • صحيح البخاري وصحيح مسلم وجامع الترمذي.
  • كتب العقيدة والتوحيد للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • كتاب «النهاية في الفتن والملاحم» للحافظ ابن كثير.
  • كتاب «شرح العقيدة الواسطية» لابن تيمية بشروحها المعتمدة.

كلمات دليلية

بحث، بحث عن، بحث علمي، بحوث، يوم القيامة