مقدمة البحث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الله جعل لعباده في شهوره وأيامه مواسم للطاعة، يتزودون فيها بالأعمال الصالحة، ويتقربون فيها إليه. ومن هذه المواسم يوم عاشوراء في شهر الله المحرم، وهو يوم عظيم ارتبط بنصر الله لنبيه موسى عليه السلام على فرعون، وبصيام النبي ﷺ وأمره أصحابه بصيامه. وفي هذا البحث نتعرف على هذا اليوم وقصته وفضله وأحكامه.

تعريف الموضوع

عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو أول شهور السنة الهجرية، وسُمّي المحرم لأنه من الأشهر الحرم التي عظّمها الله. وقد قال سبحانه في الأشهر الحرم:

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36]

وأقرب الأقوال في تسمية عاشوراء أنه مأخوذ من العشر، لأنه اليوم العاشر من الشهر. وهو يوم شُرع فيه الصيام، وليس فيه عيد ولا احتفال ولا شعائر مخصوصة غير الصيام والإكثار من الطاعة.

أهمية الموضوع

تظهر أهمية الموضوع في أن المسلم يحتاج إلى معرفة السنة الثابتة في هذا اليوم حتى يعبد الله على بصيرة، فيصوم كما صام النبي ﷺ دون زيادة أو نقصان. كما أن في قصة اليوم دروسًا عظيمة في الثقة بنصر الله، وفي أن العاقبة للمتقين مهما اشتد الظلم وطال، وفي الشكر لله على نعمة النجاة.

أهداف البحث

  • التعريف بيوم عاشوراء ومكانته بين أيام شهر المحرم.
  • بيان قصة نجاة موسى عليه السلام من فرعون وعلاقتها بهذا اليوم.
  • معرفة كيف كان النبي ﷺ يصوم عاشوراء، وما فضل صيامه.
  • بيان مشروعية صيام اليوم التاسع مع العاشر.
  • استخلاص الدروس والعبر من هذا اليوم.

عناصر البحث

أولًا: شهر المحرم ومكانته

المحرم أول شهور السنة الهجرية، وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وقد سمّاه النبي ﷺ شهر الله لعظيم مكانته، وجعل الصيام فيه من أفضل الصيام بعد رمضان. ويقع عاشوراء في اليوم العاشر منه.

ثانيًا: قصة نجاة موسى عليه السلام

كان فرعون طاغية في أرض مصر، استضعف بني إسرائيل وأذلّهم، وكان الله قد أوحى إلى أم موسى حين خافت عليه من بطش فرعون:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]

ثم كبر موسى عليه السلام وأرسله الله إلى فرعون يدعوه إلى عبادة الله وإطلاق بني إسرائيل، فكذّب فرعون واستكبر. فأمر الله موسى أن يسير ببني إسرائيل ليلًا، فلحقهم فرعون وجنوده حتى صار البحر أمامهم والعدو خلفهم. وعند ذلك خاف أصحاب موسى أن يُدركوا، فقال موسى لهم ما حكاه الله عنه، ثم جاء الفرج:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾ [الشعراء: 61–66]

فنجّى الله موسى ومن معه، وأغرق فرعون وجنوده، وكانت هذه آية عظيمة تدل على أن الله ينصر عباده المؤمنين إذا صبروا وتوكلوا عليه.

ثالثًا: صيام النبي ﷺ لعاشوراء

كان النبي ﷺ يصوم عاشوراء، ثم لما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن سبب ذلك. روى ابن عباس رضي الله عنهما هذه القصة، فقال إن النبي ﷺ قدم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم:

«مَا هَذَا» (رواه البخاري)

فأجابوه بأنه يوم صالح نجّى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى شكرًا لله، فقال لهم النبي ﷺ:

«فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» (رواه البخاري)

فصامه النبي ﷺ وأمر الناس بصيامه. وفي هذا بيان أن المسلمين أولى بالأنبياء من غيرهم، لأن دين الأنبياء كلهم واحد في أصله، وهو توحيد الله وعبادته.

رابعًا: حكم صيام عاشوراء

كان النبي ﷺ يأمر بصيام عاشوراء أمرًا مؤكدًا قبل فرض رمضان، فلما فرض الله صيام رمضان صار صيام عاشوراء مستحبًّا. وقد روى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أنه سمع النبي ﷺ يقول:

«هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» (رواه البخاري)

فصيامه سنة مؤكدة، من صامه نال أجره ومن تركه فلا إثم عليه.

خامسًا: فضل صيام عاشوراء

جاء في فضل صيامه أنه يكفّر ذنوب سنة ماضية بفضل الله، فقد سُئل النبي ﷺ عن صيام يوم عاشوراء فقال:

«صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» (رواه مسلم)

وهذا من سعة رحمة الله بعباده، أن يجعل صيام يوم واحد سببًا لمغفرة ذنوب عام كامل. والمقصود بالذنوب هنا الصغائر، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة صادقة.

سادسًا: صيام التاسع مع العاشر

أراد النبي ﷺ في آخر حياته أن يخالف أهل الكتاب في صيام هذا اليوم، فعزم على أن يصوم التاسع من المحرم مع العاشر. وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال:

«لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» (رواه مسلم)

وتوفي النبي ﷺ قبل العام التالي، فبقي هذا من هديه الذي عزم عليه. ولذلك يستحب للمسلم أن يصوم التاسع والعاشر معًا، ومن لم يستطع فله أن يصوم العاشر وحده، ويجوز أن يصوم معه الحادي عشر.

سابعًا: مراتب صيام عاشوراء

المرتبةالصيامالحكم
الأولىصيام التاسع والعاشرالأفضل لموافقة ما عزم عليه النبي ﷺ
الثانيةصيام العاشر والحادي عشرمشروع لمخالفة أهل الكتاب
الثالثةصيام العاشر وحدهجائز، وفيه الفضل الوارد

ثامنًا: الدروس المستفادة

  • الله ينصر أولياءه ويهلك الظالمين مهما بلغت قوتهم.
  • الصبر والتوكل على الله طريق الفرج بعد الشدة.
  • شكر الله على نعمه يكون بالطاعة، ومنها الصيام.
  • الأنبياء إخوة ودينهم واحد في أصله، والمسلمون أولى الناس بهم.
  • العبادة تكون بما ثبت عن النبي ﷺ فقط، فلا نزيد فيها ولا ننقص.

النتائج

  • عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، ومناسبته نجاة موسى عليه السلام من فرعون.
  • صامه النبي ﷺ وأمر بصيامه، وبعد فرض رمضان صار صيامه مستحبًّا.
  • صيامه يكفّر ذنوب سنة ماضية بفضل الله.
  • يستحب صيام التاسع مع العاشر، ويجوز صيام العاشر وحده.
  • لا يشرع في هذا اليوم إلا الصيام والطاعة، وليس فيه عيد ولا شعائر محدثة.

التوصيات

  • الحرص على صيام التاسع والعاشر من المحرم كل عام.
  • تعليم الأبناء قصة موسى عليه السلام ودروسها في الصبر والتوكل.
  • الاقتصار في هذا اليوم على ما ثبت من السنة، وترك ما لم يرد فيه دليل.
  • الإكثار من الطاعات والدعاء وقراءة القرآن في شهر الله المحرم.

الخاتمة

تعرّفنا في هذا البحث على يوم عاشوراء، وعلمنا أنه اليوم العاشر من المحرم الذي نجّى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وأن النبي ﷺ صامه وحثّ على صيامه، وعزم على صيام التاسع معه. وهو فرصة عظيمة لكل مسلم ليغتنم فضل الصيام ويجدد شكره لله وثقته بنصره. نسأل الله أن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يجعل عامنا الجديد عام خير وبركة على بلادنا وأمتنا.

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • صحيح البخاري، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، كتاب الصوم.
  • صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، كتاب الصيام.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني.
  • شرح صحيح مسلم، للإمام النووي.
  • زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام ابن القيم.