مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين. أما بعد، فقد قصّ الله علينا في القرآن الكريم أخبار الأنبياء عليهم السلام لنعتبر بها ونقتدي بهم، وجعل قصصهم تثبيتًا لقلب النبي ﷺ وهداية للمؤمنين. ومن هؤلاء الأنبياء يونس عليه السلام الذي عُرف بصاحب الحوت وذي النون، وقصته مليئة بالدروس في الصبر والتوبة والدعاء وحسن الظن بالله. قال الله تعالى عن الأنبياء ومنهم يونس:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163]
وفي هذا البحث نتعرف على سيرة يونس عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، دون الاعتماد على الروايات الإسرائيلية التي لا سند لها.
تعريف الموضوع
يونس بن متى عليه السلام نبي كريم من أنبياء الله ورسله، أرسله الله تعالى إلى قوم يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته وحده. وقد ذكر المفسرون أن قومه كانوا في بلدة نينوى في أرض العراق. وورد ذكره في القرآن الكريم في عدة سور منها سورة يونس التي سُميت باسمه، وسورة الأنبياء، وسورة الصافات، وسورة القلم. وسمّاه القرآن «ذا النون» و«صاحب الحوت»، والنون في اللغة هو الحوت.
أهمية الموضوع
تكمن أهمية دراسة قصة يونس عليه السلام في أنها تعلّمنا أن الله رحيم بعباده، يقبل توبة التائب، وأن الدعاء في أشد الكرب سبب للفرج، وأن الداعية يجب أن يصبر على قومه ولا يعجل. كما أنها تبين منزلة الأنبياء وأنهم بشر يجري عليهم ما يجري على البشر ويؤدبهم الله إذا وقع منهم ما يخالف الأولى، فيرجعون إليه بالتوبة.
أهداف البحث
- التعرف على يونس عليه السلام ومكانته بين الأنبياء.
- معرفة أحداث قصته الثابتة في القرآن الكريم.
- التعرف على الدعاء الذي دعا به في بطن الحوت وفضله.
- استخلاص الدروس والعبر من القصة.
- التمييز بين ما ثبت في النصوص وما لا دليل عليه من الروايات.
عناصر البحث
أولًا: مكانة يونس عليه السلام
اصطفى الله يونس عليه السلام وفضّله بالنبوة والرسالة، وبيّن ذلك بقوله سبحانه:
﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 139]
ومع علو منزلته فقد نهى النبي ﷺ أن يفضّل أحد نفسه عليه أو على غيره من الأنبياء على وجه التنقص، فقال ﷺ:
«لاَ يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (رواه البخاري)
وفي هذا أدب عظيم، فلا يجوز لأحد أن يتنقص نبيًا بسبب ما ورد في قصته من عتاب، فالأنبياء صفوة الخلق.
ثانيًا: دعوته لقومه
أرسل الله يونس عليه السلام إلى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك الشرك. وقد أرسله إلى جمع كبير من الناس كما أخبر القرآن:
﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ (١٤٨)﴾ [الصافات: 147–148]
وهذا يدل على أن قومه كانوا كثيرين، وأنهم آمنوا بعد ذلك فمتعهم الله إلى حين. وقد دعاهم يونس عليه السلام إلى الإيمان بالحكمة والموعظة، لكنهم استمروا في تكذيبه زمنًا، فضاق صدره بهم.
ثالثًا: خروجه مغاضبًا
يذكر القرآن الكريم أن يونس عليه السلام ترك قومه غاضبًا عليهم قبل أن يأذن الله له بالخروج، وظن أن الله لن يضيّق عليه. قال تعالى:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]
وفهم أهل العلم أن معنى «أن لن نقدر عليه» أي لن نضيّق عليه، لا أنه شك في قدرة الله سبحانه، فهو نبي معصوم في تبليغ الرسالة. وإنما كان خروجه قبل إذن الله، فكان ذلك ترك الأولى فعاتبه الله عليه.
رابعًا: ركوب السفينة والتقام الحوت
ركب يونس عليه السلام سفينة محملة بالناس، وجرت القرعة فكان من المغلوبين، فألقي في البحر، فالتقمه الحوت. وقد أخبرنا القرآن بذلك:
﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: 140–144]
وفي هذه الآيات بيان أن تسبيح يونس عليه السلام كان من أسباب نجاته، وهذا دليل على فضل التسبيح والذكر في الرخاء، فإنه ينفع في الشدة.
خامسًا: دعاؤه في الظلمات
وجد يونس عليه السلام نفسه في ظلمات: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، فلجأ إلى الله بدعاء عظيم. وقد جمع الله الدعاء وإجابته في هذه الآية:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: 87–88]
وقد بيّن النبي ﷺ فضل هذا الدعاء وأنه لا يدعو به مسلم في أمر إلا أجاب الله له:
«دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (رواه الترمذي)
ويدل هذا على أن الدعاء بالتوحيد والتسبيح والاعتراف بالتقصير من أعظم أسباب الفرج.
سادسًا: النجاة
استجاب الله دعاء يونس عليه السلام فأخرجه من بطن الحوت إلى الشاطئ وهو مريض ضعيف، وأنبت عليه شجرة من يقطين تظله وتقيه، رحمةً به. قال تعالى:
﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ [الصافات: 145–146]
واليقطين نبات ذو أوراق عريضة من الفصيلة القرعية، كالقرع، وفي ذلك دلالة على رحمة الله بعبده ولطفه به بعد الابتلاء.
سابعًا: إيمان قومه
ثم آمن قوم يونس عليه السلام وكانوا عددًا كبيرًا، فمتعهم الله بالحياة إلى حين. وقد بين الله أن لقوم يونس خصوصية بين الأمم التي كذبت رسلها، إذ نفعهم إيمانهم بعد أن رأوا مقدمات العذاب:
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [يونس: 98]
وهذا من سعة رحمة الله، فالتوبة النصوح مقبولة ما دام الإنسان لم يصل إلى لحظة الاحتضار.
ثامنًا: عتاب القرآن للنبي ﷺ بقصة يونس
جاءت قصة يونس عليه السلام في سورة القلم تثبيتًا للنبي ﷺ على الصبر على أذى قومه، وتحذيرًا من العجلة:
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ [القلم: 48–50]
فكان في ذلك توجيه للنبي ﷺ ولكل داعية أن يصبر على المدعوين ولا يستعجل نصر الله.
تاسعًا: الدروس المستفادة من القصة
| الدرس | بيانه |
|---|---|
| الصبر في الدعوة | على الداعية ألا يتعجل ولا يترك ميدانه قبل أن يأذن الله |
| الاعتراف بالذنب والتوبة | اعترف يونس عليه السلام بتقصيره وسبّح ربه فنجاه الله |
| فضل التسبيح والذكر | ذكر الله في الرخاء سبب للنجاة في الشدة |
| قدرة الله ولطفه | أنقذ الله عبده من ظلمات ثلاث، ثم أظله بشجرة |
| سعة رحمة الله | تقبل التوبة من قوم يونس رغم تكذيبهم أولًا |
| الأدب مع الأنبياء | لا يجوز التنقص من نبي بسبب ما ورد في قصته |
عاشرًا: التنبيه على ما لا يثبت
انتشرت في بعض الكتب القديمة تفاصيل كثيرة عن قصة يونس عليه السلام، كمدة بقائه في بطن الحوت، وأسماء ركاب السفينة، وتفاصيل ما دار بينه وبين قومه، وهي لم تثبت بنص صحيح من القرآن أو السنة. والواجب الاقتصار على ما صح، فإنه يغني ويكفي في أخذ العبرة، وعدم الخوض فيما لا علم لنا به.
النتائج
- يونس بن متى عليه السلام نبي كريم أرسله الله إلى قوم كثيرين.
- خرج قبل إذن الله مغاضبًا فعاتبه الله بما كان من ابتلائه في بطن الحوت.
- نجاه الله بدعائه وتسبيحه، وأظله بشجرة اليقطين.
- آمن قومه فنفعهم إيمانهم، وهو من دلائل سعة رحمة الله.
- تعلمنا القصة الصبر والتوبة والإكثار من ذكر الله ودعائه.
التوصيات
- ترديد دعاء ذي النون عند الكرب والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب.
- الصبر على الدعوة إلى الله والتدرج مع الناس وعدم اليأس منهم.
- الاقتصار في القصص على ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة.
- تعليم الأبناء قصص الأنبياء وبيان ما فيها من العبر.
الخاتمة
عرضنا في هذا البحث سيرة نبي الله يونس عليه السلام، من دعوته لقومه وخروجه مغاضبًا إلى ابتلائه في بطن الحوت ودعائه ونجاته، وإيمان قومه. وقد تبين لنا أن في هذه القصة دروسًا للمؤمن في كل زمان: أن يلجأ إلى ربه في الشدة، ويعترف بتقصيره، ويسبّح ويستغفر، وأن الله قريب مجيب لمن دعاه. نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يجعلنا من المسبّحين المستغفرين.
المراجع
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري وجامع الترمذي.
- كتاب «تفسير القرآن العظيم» للحافظ ابن كثير.
- كتاب «قصص الأنبياء» للحافظ ابن كثير.
- كتب القرآن الكريم والتفسير للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.