مقدمة البحث

الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم البشرية. أما بعد، فإن المعلم يواجه في صفه مشكلات متجددة، كضعف مستوى بعض الطلاب في مهارة معينة، أو قلة الدافعية، أو كثرة الغياب. وقد لا تحل هذه المشكلات بالبحوث النظرية البعيدة عن الميدان، ومن هنا ظهر البحث الإجرائي الذي يجعل المعلم نفسه باحثًا يدرس مشكلته ويجرب حلها ويقيّم نتائجها. وقد حثّنا ربنا على طلب الزيادة من العلم فقال:

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]

تعريف الموضوع

البحث الإجرائي (ويسمى أيضًا بحث الفعل أو البحث العملي) هو دراسة منظمة يقوم بها الممارس، كالمعلم أو مدير المدرسة، لمشكلة حقيقية يعيشها في عمله، بهدف فهمها وتحسين الممارسة وحل المشكلة، عن طريق جمع بيانات وتجربة تدخل أو إجراء، ثم تقويم أثره. وينسب مصطلح «بحث الفعل» إلى عالم النفس الألماني الأمريكي كيرت لِوين الذي استخدمه في أربعينيات القرن العشرين، ثم انتشر في ميدان التربية والتعليم.

أهمية الموضوع

يفيد البحث الإجرائي في تحسين العملية التعليمية من داخلها، فهو يحل مشكلات واقعية بحلول واقعية، وينمّي مهارات المعلم المهنية في التخطيط والملاحظة والتحليل، ويربط بين النظرية والتطبيق، ويدفع المعلم إلى التفكير في ممارساته بدل تكرارها بلا مراجعة. كما أنه قليل التكلفة ولا يحتاج إلى معامل أو عينات كبيرة، ويسهم في نمو المدرسة كمؤسسة متعلمة. ويُعدّ من متطلبات التطوير المهني للمعلمين في أنظمة التعليم الحديثة.

أهداف البحث

  • التعرف على مفهوم البحث الإجرائي وخصائصه.
  • بيان مراحل دورة البحث الإجرائي وخطواته.
  • التمييز بين البحث الإجرائي والبحث العلمي التقليدي.
  • التدرب على مثال تطبيقي من البيئة الصفية.
  • التعرف على كتابة تقرير البحث الإجرائي ومعايير جودته.

محاور البحث

أولًا: خصائص البحث الإجرائي

  • واقعي: ينطلق من مشكلة حقيقية في الميدان.
  • عملي: هدفه الأساسي تحسين الممارسة لا مجرد اكتشاف معرفة جديدة.
  • ذاتي: يقوم به الممارس نفسه أو بمشاركة زملائه.
  • دوري: يتكرر في دورات متتابعة، كل دورة تعالج ما ظهر في سابقتها.
  • مرن: يمكن تعديل الخطة أثناء التنفيذ بحسب ما يظهر.
  • تشاركي: يتعاون فيه المعلمون والإدارة والطلاب وأولياء الأمور في بعض الحالات.
  • أخلاقي: يحافظ على خصوصية الطلاب وكرامتهم ولا يضر بحقهم في التعلم.

ثانيًا: دورة البحث الإجرائي

المرحلةماذا نفعل فيها؟
التخطيطنحدد المشكلة والهدف، ونقرأ عن حلولها، ونضع خطة التدخل والأدوات
التنفيذ (الفعل)نطبق الخطة في الصف لمدة محددة وفق ما رسمناه
الملاحظةنجمع بيانات عن أثر التطبيق بالاختبارات والملاحظة والاستبانات وسجلات الطلاب
التأمل (المراجعة)نحلل البيانات، ونحكم على نجاح الخطة، ونقرر التعديل أو دورة جديدة

وتشبه هذه الدورة حلزونًا صاعدًا، تنتقل فيه من خطة إلى تنفيذ إلى ملاحظة إلى تأمل، ثم تبدأ دورة جديدة بخطة معدلة أفضل من سابقتها.

ثالثًا: خطوات إجراء البحث

  1. تحديد المشكلة: مثل انخفاض مستوى طلاب الصف في الإملاء.
  2. وصف المشكلة وتحليل أسبابها: من خلال ملاحظة الطلاب ومراجعة أعمالهم وسؤالهم.
  3. الاطلاع على الأدبيات: قراءة ما كُتب عن حلول مشابهة في الكتب والبحوث.
  4. صياغة السؤال أو الهدف: مثال: هل يحسّن استخدام بطاقات الكلمات مهارة الإملاء؟
  5. وضع خطة التدخل: تحديد الإجراء ومدته وأدوات القياس.
  6. القياس القبلي: اختبار بسيط لمعرفة مستوى الطلاب قبل التطبيق.
  7. التنفيذ وتسجيل الملاحظات: تدوين ما يحدث أثناء التطبيق.
  8. القياس البعدي والتحليل: مقارنة النتائج بعد التطبيق بالنتائج قبله.
  9. التقويم واتخاذ القرار: هل نجحت الخطة؟ هل نعمّمها أم نعدّلها؟
  10. كتابة التقرير ومشاركته: نشر النتائج بين الزملاء للاستفادة منها.

رابعًا: مثال تطبيقي

لاحظت معلمة اللغة العربية أن عددًا من طالبات الصف يخطئن في كتابة التاء المربوطة والمفتوحة. فبدأت دورة بحث إجرائي على النحو الآتي:

  • المشكلة: كثرة الأخطاء في التاء المربوطة والمفتوحة.
  • الأسباب المحتملة: عدم فهم القاعدة، وقلة التدريب، وضعف الانتباه إلى نهاية الكلمة.
  • التدخل: نشاط أسبوعي قصير بالبطاقات والألعاب التعليمية، وتدريبات منزلية مختصرة، وتغذية راجعة فورية.
  • القياس: اختبار قبلي واختبار بعدي بنفس مستوى الصعوبة، وملاحظة مشاركة الطالبات.
  • النتيجة: قارنت المعلمة النتائج فرأت تحسنًا ملحوظًا لدى أغلب الطالبات، وبقيت فئة قليلة تحتاج إلى دعم فردي.
  • القرار: تعميم النشاط على بقية الفصول، وبدء دورة ثانية لعلاج الفئة المتبقية.

خامسًا: الفرق بين البحث الإجرائي والبحث التقليدي

وجه المقارنةالبحث الإجرائيالبحث التقليدي
الهدفحل مشكلة محددة وتحسين الممارسةاكتشاف معرفة قابلة للتعميم
الباحثالممارس نفسهباحث متخصص خارج الميدان غالبًا
العينةصف أو مدرسة بعينهاعينة ممثلة لمجتمع كبير
التعميممحدود بسياق البحثأوسع بحسب تصميم الدراسة
المرونةتعديل الخطة أثناء التنفيذالتزام صارم بالتصميم المخطط

سادسًا: صعوبات وضوابط الجودة

من الصعوبات التي تواجه المعلم ضيق الوقت وكثرة الأعباء، وقلة الخبرة في أدوات جمع البيانات وتحليلها، وخطر التحيز لأن الباحث هو المنفذ والمقيّم معًا. وللتغلب على ذلك يستعين بزملاء لمراجعة الخطة والنتائج، ويستخدم أكثر من أداة جمع بيانات، ويوثق خطواته بدقة، ويعرض نتائجه بأمانة سواء كانت إيجابية أم سلبية.

النتائج

  • البحث الإجرائي دراسة يقوم بها الممارس لحل مشكلة واقعية وتحسين عمله.
  • يعتمد على دورة متكررة من التخطيط والتنفيذ والملاحظة والتأمل.
  • يختلف عن البحث التقليدي في هدفه وعينته ومرونته ومحدودية تعميمه.
  • يسهم في تطوير المعلم مهنيًا وتحسين الصف والمدرسة.

التوصيات

  • تدريب المعلمين على أدوات جمع البيانات البسيطة وتحليلها.
  • تشجيع المعلمين على تنفيذ بحوث إجرائية وإتاحة الوقت لها.
  • تنظيم لقاءات في المدرسة لعرض نتائج البحوث الإجرائية وتبادل الخبرات.
  • التزام الضوابط الأخلاقية وحفظ خصوصية الطلاب.

الخاتمة

اتضح لنا أن البحث الإجرائي طريق عملي لتطوير التعليم من داخل الصف، وأنه يمنح المعلم دور الباحث الذي لا يكتفي بالشكوى من المشكلة بل يدرسها ويعالجها. نسأل الله أن ينفع بالعلم والعلماء، وأن يوفق المعلمين لما فيه صلاح الأجيال.

المراجع

  • كتب مناهج البحث في التربية والعلوم السلوكية، كتب جامعية عامة.
  • مؤلفات كيمس وماكتاغارت في البحث الإجرائي (Action Research Planner).
  • أدلة التطوير المهني للمعلمين، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية