مقدمة البحث

الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى للناس وبيانًا للهدى والفرقان، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبيِّن عن ربه. أما بعد، فإن علم التفسير من أشرف العلوم لأنه متعلق بكلام الله تعالى، وقد اعتنى به العلماء قديمًا وحديثًا، فألّفوا فيه المؤلفات الكثيرة بمناهج مختلفة. وفي هذا البحث نتعرف على أقسام التفسير وأنواعه ومناهجه.

تعريف الموضوع

التفسير في اللغة هو الكشف والبيان والإيضاح. وفي اصطلاح العلماء هو علم يُبحث فيه عن بيان معاني القرآن الكريم، واستخراج أحكامه وحِكَمه بقدر الطاقة البشرية. ويُفرّق بعض العلماء بين التفسير والتأويل، ويُطلق التأويل أحيانًا على تفسير الكلام وبيان ما يؤول إليه معناه. وينقسم التفسير عند العلماء إلى أقسام بحسب مصدره (من أين أُخذ؟) وبحسب منهجه (كيف عُرض؟).

أهمية الموضوع

معرفة أقسام التفسير تعين طالب العلم على التمييز بين التفسير المقبول وغير المقبول، وتبين له ما يُعتمد عليه من الكتب وما يُحتاط فيه. وقد ذكر الله تعالى الغاية من إنزال القرآن في قوله:

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]

ولا يتحقق التدبر إلا بفهم المعاني، ولا يصح الفهم إلا بأدوات التفسير ومصادره. وفي حديث البخاري فضل عظيم لمن تعلّم كتاب الله:

«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (رواه البخاري)

أهداف البحث

  • بيان معنى التفسير وأهميته.
  • التعرف على أقسام التفسير من حيث المصدر.
  • التعرف على أنواع التفسير من حيث المنهج.
  • معرفة أشهر كتب التفسير وخصائصها.
  • التنبيه على الضوابط التي يجب مراعاتها عند تفسير القرآن.

محاور البحث

أولًا: أقسام التفسير من حيث المصدر

القسمتعريفهحكمه
التفسير بالمأثورتفسير القرآن بما ورد في القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعينمقدَّم ومعتمد بشرط صحة النقل
التفسير بالرأيتفسير القرآن بالاجتهاد المبني على علوم اللغة والشريعةجائز محمود إذا توفرت شروطه، ومذموم إذا كان بالهوى
التفسير الإشاريتأويل الآيات بمعانٍ خفية غير ظاهرة تحتملها الآيةمقبول بشروط، وليس تفسيرًا مستقلًا يُعتمد عليه

أ) التفسير بالمأثور

يُسمى أيضًا التفسير بالرواية أو بالنقل، وهو أصح أنواع التفسير وأولاها بالتقديم. ومراتبه كما ذكر العلماء:

  1. تفسير القرآن بالقرآن: فما أُجمل في موضع فُصّل في موضع آخر، وما أُطلق في آية قُيّد في أخرى.
  2. تفسير القرآن بالسنة النبوية: فالنبي ﷺ هو المبيّن عن ربه، كما قال تعالى:

﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

  1. تفسير القرآن بأقوال الصحابة: فقد شهدوا التنزيل وفهموا لغة القرآن وأسباب النزول، ومن أشهرهم في التفسير عبدالله بن عباس رضي الله عنهما.
  2. تفسير القرآن بأقوال التابعين: كمجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وهم تلاميذ الصحابة، وقد اختلف العلماء في مدى حجية أقوالهم، لكنها مرجع نفيس في فهم الآيات.

ب) التفسير بالرأي

هو الاجتهاد في فهم القرآن بالاستعانة باللغة العربية وأسباب النزول وأصول الفقه وغيرها. وينقسم قسمين:

  • التفسير بالرأي المحمود (الجائز): وهو ما وافق الشريعة واللغة وصدر عن عالم تتوفر فيه شروط المفسر، كمعرفة العربية والناسخ والمنسوخ والسنة وأسباب النزول.
  • التفسير بالرأي المذموم: وهو التفسير بالهوى أو بلا علم أو لنصرة مذهب فاسد أو بمخالفة المأثور الصحيح.

وقد حذّر العلماء من القول في كتاب الله بغير علم، فالقرآن ليس ميدانًا للتخمين أو لتطويع النص لما نشتهيه.

ج) التفسير الإشاري

هو تأويل الآية بمعنى غير ظاهر يظهر لبعض أهل العلم والصلاح بالتأمل. وقد اشترط العلماء لقبوله ألا يناقض المعنى الظاهر، وأن يكون له شاهد من الشرع، وألا يُدّعى أنه المراد الوحيد من الآية.

ثانيًا: أقسام التفسير من حيث المنهج

  • التفسير التحليلي: يفسر المفسر القرآن آية آية على ترتيب المصحف، فيبين المفردات وسبب النزول والقراءات والأحكام والبلاغة، كما في تفسير الطبري وابن كثير والقرطبي.
  • التفسير الإجمالي: يشرح المعنى العام للآيات بعبارة موجزة سهلة، كما في كتب التفسير الميسّر المخصصة للطلاب وعامة الناس، ويشبه هذا المنهج تفسير الجلالين.
  • التفسير الموضوعي: يجمع الآيات التي تتناول موضوعًا واحدًا، كالصبر أو التوحيد أو الأسرة، ويستخلص منها رؤية متكاملة.
  • التفسير المقارن: يقارن بين أقوال المفسرين أو بين الآراء في المسألة ويرجّح بينها بالدليل.

ثالثًا: أشهر كتب التفسير

الكتابمؤلفهنوعه
جامع البيان عن تأويل آي القرآنابن جرير الطبريبالمأثور مع الترجيح والاستنباط
تفسير القرآن العظيمابن كثيربالمأثور
الجامع لأحكام القرآنالقرطبيعناية بالأحكام الفقهية
التحرير والتنويرالطاهر بن عاشورعناية باللغة والبلاغة والمقاصد
تيسير الكريم الرحمنعبدالرحمن السعديتفسير ميسّر مختصر الأسلوب
أضواء البيانمحمد الأمين الشنقيطيتفسير القرآن بالقرآن

رابعًا: شروط المفسر وآدابه

  • سلامة العقيدة وصحة المقصد وإخلاص النية لله تعالى.
  • العلم باللغة العربية وفروعها لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين.
  • معرفة علوم القرآن كأسباب النزول والمكي والمدني والناسخ والمنسوخ.
  • معرفة السنة النبوية وأقوال السلف في الآية.
  • التواضع والاعتراف بحدود العلم، والبعد عن الجرأة على كلام الله.

خامسًا: الفرق بين التفسير والترجمة وعلوم القرآن

يخلط بعض الطلاب بين التفسير وعلوم القرآن الأخرى. فعلوم القرآن مصطلح واسع يشمل مباحث كثيرة، كأسباب النزول وجمع القرآن والمكي والمدني والقراءات والإعجاز، وهي علوم تخدم التفسير وتعين المفسر. أما التفسير فهو بيان المعنى المراد من الآيات نفسها. وكذلك لا تُعدّ ترجمة معاني القرآن إلى لغة أخرى تفسيرًا كاملًا، بل هي نقل لفهم المترجم لمعاني الآيات بقدر ما تحتمله اللغة الجديدة، ولذلك يسميها العلماء «ترجمة معاني القرآن» ولا يسمونها «القرآن» نفسه.

النتائج

  • ينقسم التفسير من حيث المصدر إلى تفسير بالمأثور وبالرأي وإشاري.
  • ينقسم من حيث المنهج إلى تحليلي وإجمالي وموضوعي ومقارن.
  • أعلى مراتب التفسير بالمأثور تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة والتابعين.
  • التفسير بالرأي جائز إذا صدر عن أهله وبضوابطه، ومذموم إذا كان بالهوى.

التوصيات

  • أن يبدأ الطالب بتفسير ميسّر موثوق قبل الانتقال إلى المطولات.
  • الرجوع إلى أهل العلم عند الإشكال في فهم آية، وعدم الاكتفاء بالفهم الشخصي.
  • الحذر من التفاسير والمقاطع غير الموثوقة المنتشرة على الشبكة.
  • تخصيص وقت لتدبر آيات من القرآن الكريم كل يوم.

الخاتمة

عرفنا في هذا البحث أن التفسير علم له مصادر ومناهج وشروط، وأن أقسامه تتكامل ولا تتعارض إذا ضُبطت بضوابطها. نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا، وأن يوفقنا لفهم كتابه والعمل به.

المراجع

  • القرآن الكريم، وصحيح البخاري.
  • مباحث في علوم القرآن، مناع القطان.
  • التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي.
  • مقدمة في أصول التفسير، ابن تيمية.
  • كتب التفسير الواردة في البحث، ومقررات التفسير في المرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية