مقدمة البحث

الحمد لله الذي خلق فسوّى، وجعل في الكون جمالًا يسر الناظرين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد لفت القرآن الكريم أنظارنا إلى جمال السماء فقال سبحانه:

﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: 16]

والإنسان بفطرته يميل إلى الجميل، فيطرب لصوت عذب، ويقف أمام منظر طبيعي مبهورًا، ويعجب بخط متقن أو بناء بديع. وهذه القدرة على إدراك الجمال والاستمتاع به هي ما نسميه التذوق الجمالي، وفي هذا البحث نتعرف عليه وعلى طرق تنميته.

تعريف الموضوع

التذوق الجمالي هو قدرة الإنسان على إدراك مواطن الجمال في الأشياء والأعمال والمشاهد، والحكم عليها والاستمتاع بها وتقديرها. والذوق في اللغة يدل على إدراك الطعم، ثم استُعمل مجازًا في إدراك الجميل والقبيح في الفنون والأخلاق. أما الجمال فهو حُسن الشيء وتناسق أجزائه وتناغم عناصره بما يبعث الارتياح في النفس.

ويختلف التذوق الجمالي عن مجرد الإعجاب العابر، لأنه يقوم على الملاحظة والمقارنة والفهم، ولذلك يمكن تنميته وتدريب الناس عليه بالتعلم والممارسة.

أهمية الموضوع

يرتقي التذوق الجمالي بشخصية الإنسان، فيهذب مشاعره ويصقل سلوكه ويجعله أكثر دقة وإتقانًا في عمله ونظافة في مظهره ومحيطه. كما يغرس حب الوطن والطبيعة والمحافظة على المرافق العامة، ويدفع الطالب إلى الإبداع والتعبير الراقي. وفي زمن تكثر فيه المناظر المشوهة والأصوات الصاخبة تزداد الحاجة إلى تربية الذوق السليم.

أهداف البحث

  • التعرف على معنى التذوق الجمالي والجمال.
  • بيان مجالات الجمال في الطبيعة والفنون والعمارة والخط والأدب.
  • توضيح موقف الإسلام من الجمال وحثه على الإتقان.
  • معرفة العوامل المؤثرة في الذوق وطرق تنميته.
  • تعزيز الحس الجمالي لدى الطلاب.

محاور البحث

أولًا: الجمال في الإسلام

دعا الإسلام إلى الجمال في الشكل والمضمون، فجعل النظافة والطهارة من الإيمان، وحث على حسن المظهر دون كبر أو إسراف. وقد سأل رجل النبي ﷺ عن رجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فجاء الجواب الجامع الذي يبين أن الجمال محبوب لله تعالى إذا لم يصحبه كبر:

«إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (رواه مسلم)

ويشمل الجمال في الإسلام جمال الخَلق وجمال الخُلق وجمال العمل. فقد أمرنا بإتقان العمل، وبحسن الكلام، وبحسن المعاملة مع الناس، وهذا كله ضرب من التذوق الجمالي الراقي. ويلفت القرآن الكريم انتباهنا في مواضع كثيرة إلى جمال الأنعام والسماء والزرع، وما ذلك إلا ليتأمل الإنسان ويشكر.

ثانيًا: الجمال في الطبيعة

الطبيعة أول مدرسة للجمال، ففيها تناسق الألوان في الغروب والشروق، وهدوء البحر وشموخ الجبال، وسكون الصحراء وامتدادها، وتنوع النباتات والطيور. وفي المملكة العربية السعودية مناظر طبيعية متنوعة من الجبال الخضراء في الجنوب إلى الكثبان الرملية والواحات والشواطئ، وقد صارت هذه المواقع مقصدًا للسياحة والتأمل.

ثالثًا: الجمال في الفنون

الفنأدواتهمصدر الجمال فيه
الفنون التشكيليةالألوان والخطوط والأشكالالتوازن والانسجام والتعبير
الأدب والشعرالكلمات والصور البيانيةالإيقاع وجودة العبارة وعمق المعنى
الفنون الصوتيةالأصوات والإيقاعاللحن المنظم والإيقاع المتسق
العمارةالمواد والفراغات والزخارفتناسب الأجزاء ومناسبة البيئة

رابعًا: الخط العربي والزخرفة

يُعد الخط العربي من أجمل فنون الحضارة الإسلامية، فقد تطورت أنواعه كالنسخ والثلث والكوفي والديواني والرقعة، وصار فنًا يجمع بين وضوح الحروف وجمال تكوينها. كما اشتهرت الزخارف الهندسية والنباتية التي تزين المساجد والمخطوطات، وتقوم على التكرار والتناظر والتداخل المنتظم بعيدًا عن رسم الكائنات الحية في أماكن العبادة. ويعرف الطلاب في مدارسنا هذا الفن في دروس التربية الفنية وفي لوحات الخط.

خامسًا: الجمال في العمارة التراثية

تنوعت العمارة التقليدية في مناطق المملكة بحسب البيئة والمواد المتوافرة، فاستخدم أهل نجد الطين والأبراج، وبنى أهل الحجاز الرواشين الخشبية، وأقام أهل عسير مبانيهم الحجرية الملونة. وجمعت هذه الأبنية بين الفائدة والجمال، إذ راعت تلطيف الحرارة وحفظ الخصوصية وتناسب الأشكال. ومن هنا جاءت عناية البلاد بحفظ المواقع التراثية وترميمها لتكون شاهدة على ذوق الأجداد.

سادسًا: عوامل تكوين الذوق

  • الأسرة: فالبيت المنظم النظيف الهادئ يغرس في الطفل الذوق الحسن.
  • المدرسة: بما تقدمه من مواد وأنشطة فنية وأدبية ومعارض.
  • البيئة والثقافة: فعادات المجتمع وتراثه تشكل ما يستحسنه الناس.
  • وسائل الإعلام ومواقع التواصل: وهي تصنع ذوق الجيل، فيجب انتقاء ما يعرض منها.
  • الخبرة والقراءة والسفر: فهي توسع أفق الإنسان وتصقل ذوقه.

سابعًا: كيف ننمّي التذوق الجمالي؟

  • التأمل في الطبيعة والخروج إلى الحدائق والمتنزهات.
  • زيارة المعارض والمتاحف والمواقع التراثية.
  • قراءة الشعر والأدب الراقي وحفظ جيده.
  • ممارسة الرسم والخط والأعمال اليدوية.
  • العناية بنظافة الفصل والبيت وترتيبهما.
  • تعلم الحوار الراقي وانتقاء الألفاظ الحسنة.

ومن الجدير بالذكر أن الأذواق تتنوع بين الناس في الأمور المباحة، ولكن هناك ضوابط عامة للجمال في الأخلاق والسلوك لا تختلف، كالصدق والرفق والنظافة والاحترام.

ثامنًا: التذوق الجمالي في الأخلاق والسلوك

لا يقتصر الجمال على المناظر والفنون، فهناك جمال في الكلمة الطيبة والابتسامة والمعاملة الحسنة، وجمال في ترتيب الوقت والمكان، وجمال في الصدق والوفاء. فالطالب المتذوق للجمال يختار ألفاظه ويحترم زملاءه ويحافظ على نظافة الصف ولا يشوه الجدران أو الممتلكات. وبذلك يصبح الذوق الجمالي سلوكًا يوميًا لا معلومات تحفظ فقط، ويظهر أثره في البيت والمدرسة والشارع.

ومن مظاهر ضعف الذوق العام رمي المخلفات في الأماكن العامة، والصوت العالي المزعج، والعبث بالمرافق، وسوء التنسيق في الملبس والمسكن. ومعالجة ذلك تكون بالتربية الهادئة والقدوة الحسنة قبل العقاب.

النتائج

  • التذوق الجمالي قدرة مكتسبة يمكن تنميتها بالتعلم والممارسة.
  • الإسلام يحب الجمال ويدعو إلى الإتقان في العمل والمظهر والأخلاق.
  • للجمال مصادر متعددة: الطبيعة والفنون والعمارة والخط والأدب.
  • للأسرة والمدرسة والإعلام أثر كبير في تكوين ذوق الطالب.

التوصيات

  • تفعيل الأنشطة الفنية والأدبية في المدارس.
  • تنظيم رحلات إلى المواقع التراثية والمعارض.
  • تشجيع الطلاب على العناية بنظافة مدرستهم وتزيينها.
  • ترشيد استخدام وسائل التواصل واختيار المحتوى الراقي.

الخاتمة

تعرّفنا في هذا البحث على التذوق الجمالي ومعناه وأهميته، وعلى مجالاته في الطبيعة والفنون والعمارة والخط، وعلى موقف الإسلام منه، وطرق تنميته. ويتضح أن الجمال ليس رفاهية، بل قيمة تهذب النفس وترتقي بالسلوك وتصنع مجتمعًا أكثر رقيًا. وأسأل الله أن يجملنا بالأخلاق الحسنة.

المراجع

  • كتب التربية الفنية والتربية الأدبية للمراحل الدراسية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • صحيح مسلم، كتاب الإيمان.
  • هيئة التراث في المملكة العربية السعودية.
  • كتب في علم الجمال وفلسفة الفن المتداولة في الجامعات.

كلمات دليلية