مقدمة البحث

الحمد لله الذي أمرنا أن ندعوه ووعدنا بالإجابة، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي كان أكثر الناس ذكرًا لربه ودعاءً له. أما بعد، فإن الدعاء من أعظم العبادات وأيسرها، يقف فيه العبد بين يدي ربه معترفًا بفقره وحاجته، ويطمئن قلبه بأنه يتوجه إلى رب كريم قريب. وفي هذا البحث نتعرف على حقيقة الدعاء وفضله وآدابه وأوقات إجابته.

تعريف الموضوع

الدعاء في اللغة: الطلب والنداء. وفي الاصطلاح: التوجه إلى الله تعالى بطلب الخير أو دفع الشر، وهو يشمل دعاء المسألة وهو سؤال الله حاجات الدنيا والآخرة، ودعاء العبادة وهو التقرب إلى الله بأنواع الطاعات. ولا يجوز صرف الدعاء إلا لله وحده، لأن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من الشرك.

أهمية الموضوع

تظهر أهمية الدعاء في أنه صلة مباشرة بين العبد وربه لا تحتاج إلى وسيط ولا إلى وقت محدد، وأنه سبب لطمأنينة القلب وتفريج الهموم، ودليل على التوحيد والتوكل. كما أن تعلم آدابه يحمي المسلم من الأخطاء الشائعة، كاستعجال الإجابة أو الدعاء بإثم أو قطيعة رحم.

أهداف البحث

  • بيان معنى الدعاء وأنواعه.
  • إبراز فضل الدعاء ومنزلته في الإسلام.
  • التعرف على آداب الدعاء وأوقات إجابته وموانع الإجابة.
  • الوقوف على نماذج من أدعية القرآن والسنة.

محاور البحث

أولًا: الله قريب يجيب الدعاء

وعد الله عباده بالإجابة وأمرهم بالدعاء، فقال سبحانه:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]

وبيّن قربه من عباده فقال:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]

ومن رحمته سبحانه أنه يجيب المضطر الذي أحاطت به الشدة، قال تعالى:

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62]

ثانيًا: فضل الدعاء

للدعاء منزلة عظيمة، فقد روى الترمذي عن النبي ﷺ:

«لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ» (رواه الترمذي)

ومعنى ذلك أن العبد حين يدعو يحقق عبودية الذل والافتقار لله، فيحبه ربه ويقبل عليه. ومن فضائل الدعاء أيضًا:

  • أنه من أسباب دفع البلاء ورفع الدرجات.
  • أنه يورث الطمأنينة والسكينة في القلب.
  • أنه سنة الأنبياء والصالحين في كل زمان.
  • أنه لا تضيع فائدته، فالله يجيبه بما يشاء حسب حكمته، فقد يعطي العبد ما سأل، وقد يدفع عنه من الشر مثله، وقد يدّخر له الجزاء في الآخرة.

ثالثًا: آداب الدعاء

  • الإخلاص لله: فلا يدعو العبد إلا الله وحده، ولا يطلب من غيره ما لا يقدر عليه إلا الله.
  • البدء بالثناء على الله والصلاة على النبي ﷺ: فهما من أسباب القبول.
  • حضور القلب واليقين بالإجابة: فلا يدعو الغافل اللاهي.
  • الإلحاح وعدم الاستعجال: فيكرر الدعاء ولا يقول دعوت فلم يستجب لي.
  • خفض الصوت بين الجهر والإخفاء: وقد أرشد القرآن إلى التضرع والخفية.
  • استقبال القبلة ورفع اليدين إن تيسر ذلك.
  • أكل الحلال وتجنب الحرام: فالمطعم الحرام من أسباب منع الإجابة.
  • التوبة ورد المظالم قبل الدعاء قدر المستطاع.

قال الله تعالى في أدب الدعاء:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: 55–56]

رابعًا: أوقات وأحوال يُرجى فيها قبول الدعاء

جاءت السنة بتحديد أوقات وأحوال فاضلة يكون الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة، منها:

  • الثلث الأخير من الليل، وفيه قال النبي ﷺ:

«يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (رواه البخاري)

  • السجود في الصلاة، وبين الأذان والإقامة.
  • يوم الجمعة، وفيه ساعة يُرجى فيها قبول الدعاء.
  • يوم عرفة، وعند نزول المطر، وفي حال السفر والصيام.
  • دعاء المضطر والمظلوم والوالد لولده.

خامسًا: موانع إجابة الدعاء

المانعتوضيحه
الدعاء بإثم أو قطيعة رحمأن يسأل العبد ما فيه معصية أو ظلم
أكل الحرامفالرزق الحرام يمنع بركة الدعاء
غفلة القلبأن يدعو بلسانه وقلبه لاهٍ
الاستعجالأن يترك الدعاء إذا لم يرَ الإجابة سريعًا
ترك الواجبات وفعل المحرماتلأن الطاعة من أسباب القبول

سادسًا: نماذج من الأدعية الشرعية

من أجمع أدعية القرآن الكريم قول الله تعالى على لسان المؤمنين:

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]

ومن أدعية الأنبياء دعاء يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت، وقد أخبر الله عنه:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: 87–88]

ومن الأذكار العظيمة التي تحيي القلب ما بيّنه النبي ﷺ في فضل ذكر الله:

«مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ» (رواه البخاري)

ويحسن بالمسلم أن يحفظ الأذكار الواردة صباحًا ومساءً وعند النوم والاستيقاظ ودخول المنزل والخروج منه، وأن يدعو بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة بلغته وكلماته الخاصة، فلا حرج في ذلك.

سابعًا: الدعاء والأخذ بالأسباب

لا يتعارض الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فالطالب يدعو أن يوفقه الله ويذاكر دروسه، والمريض يدعو بالشفاء ويراجع الطبيب. فالدعاء عبادة وتوكل، والأخذ بالأسباب عمل وتخطيط، والمؤمن يجمع بينهما.

النتائج

  • الدعاء عبادة عظيمة، وهو أكرم شيء على الله كما جاء في الحديث.
  • الله قريب مجيب، والإجابة قد تكون بإعطاء المطلوب أو دفع شر أو ادخار أجر.
  • للدعاء آداب وأوقات فاضلة وموانع ينبغي معرفتها.
  • الدعاء لا يُصرف إلا لله وحده.

التوصيات

  • الحرص على الدعاء في السراء والضراء وتعويد الأبناء عليه.
  • حفظ بعض الأدعية والأذكار الصحيحة من القرآن والسنة.
  • اغتنام الأوقات الفاضلة كالثلث الأخير من الليل ويوم الجمعة.
  • الجمع بين الدعاء والعمل بالأسباب، وحسن الظن بالله.

الخاتمة

الدعاء باب مفتوح لا يُغلق، وهو سلاح المؤمن في كل أحواله. وقد تعرفنا في هذا البحث على معناه وفضله وآدابه وأوقاته وموانعه ونماذج منه. نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في الدعاء وحسن الظن به، وأن يستجيب دعاءنا ويصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

المراجع

  • القرآن الكريم، وصحيح البخاري، وجامع الترمذي.
  • كتب التوحيد والفقه والحديث للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
  • الأذكار للإمام النووي.
  • الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم.
  • حصن المسلم لسعيد بن علي القحطاني.

كلمات دليلية