مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فإن الإسلام كرّم المرأة، وجعل لها حقوقًا مالية وغير مالية، ومن أهم هذه الحقوق عند الزواج المهر، الذي يقدمه الزوج لزوجته إكرامًا لها وتعبيرًا عن رغبته الصادقة في الزواج منها. وفي هذا البحث نتعرف على المهر: تعريفه وأدلته وحكمته وأحكامه، وعلى ما ينبغي أن يكون عليه من يسر واعتدال.
تعريف الموضوع
المهر في اللغة هو الصداق، وفي الاصطلاح هو المال الذي يجب للمرأة على زوجها بعقد النكاح أو بالدخول بها. ومن أسمائه: الصداق، والصدقة، والفريضة، والأجر، والنحلة، والعلائق. وكلها ألفاظ وردت في الكتاب والسنة أو كلام العرب، ويدل تعدد الأسماء على أهمية هذا الحق.
أهمية الموضوع
- المهر حق خالص للمرأة، وفي معرفته حفظ لحقها وصيانة لكرامتها.
- كثرة المغالاة في المهور في بعض المجتمعات أخّرت زواج الشباب، فالحاجة ماسّة إلى بيان المنهج الشرعي المتوازن.
- يظهر البحث رحمة الشريعة وعدلها في الجمع بين حق المرأة وتيسير الزواج على الرجل.
أهداف البحث
- التعريف بالمهر وأسمائه.
- ذكر الأدلة على مشروعيته من الكتاب والسنة.
- بيان الحكمة من وجوبه ومقداره.
- معرفة أحكامه: متى يجب ويستقر ويسقط.
- التحذير من المغالاة والدعوة إلى التيسير.
أولًا: أدلة مشروعيته
ثبت وجوب المهر بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله تعالى في الأمر بإعطاء النساء مهورهن عطية طيبة النفس:
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4]
وقال سبحانه في بيان أنه لا يجوز أخذ شيء من المهر إذا أراد الزوج استبدال زوجة بأخرى:
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: 20–21]
ومن السنة قول النبي ﷺ في الوفاء بما استُحل به الفروج:
«أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (رواه البخاري)
والمقصود بما استحللتم به الفروج هو المهر وسائر ما اشترط في عقد النكاح، فالوفاء به من أحق الوفاء وأوجبه.
ثانيًا: حكمة المهر
- إظهار الرغبة الحقيقية في الزواج وتكريم المرأة.
- تمكين المرأة من التصرف في مال يخصها ويعينها على أمور حياتها.
- تحمل الرجل مسؤولية النفقة، فهو قوام على الأسرة بحكم الشرع.
- التفريق بين النكاح الشرعي المعلن وبين العلاقات المحرمة التي تقوم على غير عقد.
- إعطاء العقد أهمية وجدية فلا يتخذ لعبًا.
ثالثًا: مقدار المهر
لم يحدد الشرع مقدارًا معينًا للمهر في الغالب، فكل ما صح أن يكون مالًا أو منفعة مباحة صح أن يكون مهرًا. وقد اختلف الفقهاء في حدّه الأدنى، فبعضهم لم يجعل له حدًا، وبعضهم حدّده بمقدار معين، لكن اتفقوا على أن الأفضل هو التيسير والاعتدال.
| المسألة | الحكم والبيان |
|---|---|
| أقل المهر | ما تراضى عليه الطرفان مما يصح أن يكون مالًا، ولا يشترط أن يكون كبيرًا |
| أكثر المهر | لا حد له شرعًا، لكن المغالاة فيه مذمومة إذا أدت إلى تعسير الزواج |
| نوعه | مال أو عين أو منفعة مباحة كتعليم القرآن عند بعض العلماء |
| مهر المثل | يرجع إليه إذا لم يُسمَّ مهر في العقد، ويقدّر بحال أمثالها من النساء |
ومن الأدلة على التيسير ما جاء في قصة الرجل الذي طلب الزواج ولم يجد إلا إزاره، فقال له النبي ﷺ أن يلتمس ولو خاتمًا من حديد، ثم زوّجه على ما معه من القرآن، وهي قصة مشهورة في كتب السنة، تدل على أن المهر لا يلزم أن يكون كثيرًا.
رابعًا: المهر المعجل والمؤجل
يجوز أن يكون المهر كله معجلًا أي يُدفع عند العقد، أو مؤجلًا إلى أجل معلوم، أو بعضه معجلًا وبعضه مؤجلًا بحسب عرف الناس واتفاقهم. وإذا أُجِّل المهر فلا يسقط بل يبقى دينًا في ذمة الزوج، تطالب به الزوجة عند حلول أجله أو عند الفرقة. وينبغي توثيق المهر بالكتابة حفظًا للحقوق.
خامسًا: متى يستقر المهر ومتى يسقط بعضه
- يستقر المهر كاملًا: بالدخول بالزوجة، وبالخلوة الصحيحة عند بعض الفقهاء، وبموت أحد الزوجين.
- يجب نصف المهر المسمى: إذا طُلِّقت الزوجة قبل الدخول وقد سُمّي المهر، وقد جاء ذلك في كتاب الله تعالى:
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237]
- المتعة: تجب عند بعض العلماء للمطلقة قبل الدخول إن لم يُسمَّ لها مهر.
- التنازل: للمرأة الرشيدة أن تتنازل عن بعض مهرها أو كله برضاها دون ضغط أو إكراه.
والمهر ملك للمرأة وحدها، فلا يجوز لوليها أو والدها أخذه منها بغير رضاها، ولا يجوز للزوج أن يستردّ شيئًا منه إلا في الأحوال التي بيّنها الشرع كالخلع بالتراضي.
سادسًا: التحذير من المغالاة والدعوة إلى التيسير
من الظواهر التي تؤثر في المجتمعات المبالغة في المهور وتكاليف الزواج من حفلات وهدايا وغيرها، فيتأخر الزواج وتتأخر الفتيات في بيوت أهلهن ويقع الشباب في الحرج والديون. والواجب أن يتعاون الأولياء والأسر على تيسير الزواج، وأن يكون المعيار هو الدين والخلق قبل المال، وقد دعت إلى ذلك مبادرات وجمعيات خيرية كثيرة في المملكة تعين الراغبين في الزواج وتشجع على الاعتدال في المهور وتكاليف الزفاف.
ومن الآداب أن يكون الاتفاق على المهر بالتراضي وبلا مساومة تجارية، وأن يخفف الوليّ عن الخاطب إكرامًا له ولابنته، وأن تتذكر المرأة وأهلها أن بركة الزواج في يسره وصدق نية أهله.
الخاتمة
عرفنا في هذا البحث أن المهر عطية واجبة للمرأة بعقد النكاح، وأنه من تكريم الإسلام لها، وأن الشرع لم يحدد له مقدارًا ثابتًا بل ترك أمره للتراضي مع الحث على التيسير. وبيّنا متى يستقر ومتى ينتصف، وحذّرنا من المغالاة فيه لما تسببه من تأخير الزواج. نسأل الله أن يوفق شبابنا وفتياتنا إلى الزواج الميسر المبارك.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري.
- «المغني» لابن قدامة المقدسي، باب الصداق.
- «الفقه الإسلامي وأدلته» للدكتور وهبة الزحيلي.
- كتب الفقه في مناهج وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- نظام الأحوال الشخصية في المملكة العربية السعودية.