مقدمة البحث
الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فقد عرف الأدب العربي الشعر القصيدة قرونًا طويلة على نظام الشطرين والقافية الواحدة، ثم ظهر في بلاد الأندلس فنّ جديد أضفى على الشعر العربي لونًا من الرقة والتنوع هو الموشحات. وهي من أجمل ما أبدعه الأندلسيون، وفي هذا البحث نتعرف عليها ونتأمل نشأتها وبناءها وأثرها.
تعريف الموضوع
الموشح في اللغة مأخوذ من «الوشاح»، وهو حلية من نسيج عريض مرصّع بالجوهر تلبسها المرأة وتزيّن به صدرها، فشُبّه الموشح به في تنوّع أجزائه وتناسقها. وفي الاصطلاح الأدبي: الموشح فنّ شعري ظهر في الأندلس، يقوم على أدوار وأقفال متعددة وقوافٍ متنوعة بدل القافية الواحدة، وقد يُنظم بالعربية الفصحى وتُختم بخرجة بالعامية أو بغيرها، وكان يُغنّى في الغالب.
أهمية الموضوع
الموشحات من أهم الفنون الأدبية التي ابتكرها العرب في الأندلس، وتبرز أهميتها في أنها دليل على قدرة الشعر العربي على التجديد في الشكل مع الحفاظ على اللغة والذوق. كما أنها تعبّر عن الحياة الاجتماعية والثقافية في الأندلس، وقد أثّرت في الشعر العربي الحديث وفي أنواع الغناء العربي.
أهداف البحث
- التعرف على معنى الموشح ونشأته في الأندلس.
- معرفة الأجزاء التي يتكون منها الموشح.
- بيان أغراض الموشحات وأشهر الوشّاحين.
- الوقوف على خصائص الموشح الفنية وما يميزه عن القصيدة.
- إدراك أثر الموشحات في الأدب والغناء.
عناصر البحث
أولًا: نشأة الموشحات
ظهرت الموشحات في الأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري أو أوائل الرابع، في ظل ازدهار الحضارة الأندلسية وما شهدته من تمازج بين الثقافة العربية وثقافات أهل البلاد. وتنسب كتب الأدب الأولى إلى الشاعرين مقدّم بن معافى القبري ومحمد بن محمود القبري الضرير السبق في نظم الموشحات، وهما من شعراء الأمير عبدالله بن محمد. ثم انتشر هذا الفن وتطور، وبلغ ذروته في عصر ملوك الطوائف والمرابطين والموحدين، وفي عهد بني الأحمر في غرناطة.
وقد اختلف الدارسون في أسباب ظهورها، فرأى بعضهم أنها نشأت استجابة لحاجة الغناء إلى ألفاظ خفيفة ذات أوزان قصيرة تناسب الألحان الأندلسية، ورأى آخرون أنها تأثّرت بالأغاني الشعبية في الأندلس. والمتفق عليه أنها فن عربي المبنى واللغة نشأ في بيئة أندلسية متنوعة.
ثانيًا: أجزاء الموشح
| الجزء | معناه |
|---|---|
| المطلع | الجزء الأول من الموشح، ويتكون من قفلين غالبًا، وقد يخلو منه الموشح فيسمى «أقرع» |
| الدور | الأبيات التي تأتي بعد المطلع وتتفق في قافيتها داخل الدور الواحد وتختلف عن الأدوار الأخرى |
| السمط | كل جزء من أجزاء الدور، وتتفق أسماطه في الوزن والقافية |
| القفل | الجزء الذي يأتي بعد الدور ويتفق مع المطلع في الوزن والقافية |
| الخرجة | القفل الأخير من الموشح، وهي خاتمته، ويُعنى بها الوشاحون لأنها ثمرة الفن |
ويتضح من هذا أن الموشح يتغير فيه نظام القافية من دور إلى دور ثم يعود إلى قافية القفل، وهذا هو سر جماله وإيقاعه المتنوع. وتسمى الموشحات بحسب عدد أقفالها: فالتام ما بدأ بمطلع، والأقرع ما بدأ بدور دون مطلع.
ثالثًا: أغراض الموشحات
- الغزل ووصف الطبيعة: وهو أكثر أغراضها، إذ تغنّى الوشاحون بجمال الأندلس وحدائقها وأنهارها.
- المدح: مدح الملوك والأمراء والوزراء.
- الزهد والتصوف: نظم بعض الوشاحين موشحات في الدعاء والتوبة والمدائح النبوية.
- الرثاء والوصف وغيرها: كما استخدمت في أغراض اجتماعية متعددة.
رابعًا: أشهر الوشّاحين والموشحات
- عبادة بن ماء السماء: من أوائل من اشتهر بالموشحات في الأندلس.
- ابن سناء الملك: أديب مصري ألّف كتاب «دار الطراز في عمل الموشحات»، وهو من أهم المصادر في فن الموشحات.
- لسان الدين بن الخطيب: وزير غرناطة وأديبها، صاحب الموشح المشهور «جادك الغيث إذا الغيث همى»، وهو من أجمل ما قيل في حنين الأندلسي إلى أيامه الجميلة.
- ابن زهر والأعمى التطيلي وابن بقي: من الوشاحين المعروفين في عصور الأندلس المختلفة.
خامسًا: خصائص الموشح الفنية
يتميز الموشح بتعدد القوافي وتنوع الأوزان، وبقصر أبياته وسهولة ألفاظه ورقتها، وبقربه من الغناء، وبعناية الوشاح بالخرجة. وبهذا يختلف عن القصيدة العمودية التي تلتزم بحرف واحد للقافية في جميع الأبيات ويتكرر فيها الوزن نفسه. ومع ذلك فإن الموشح يخضع لأوزان وقواعد تجعله محكمًا لا مرتجلًا.
سادسًا: أثر الموشحات
انتقلت الموشحات من الأندلس إلى المشرق العربي، فنظم فيها الشعراء في الشام ومصر والعراق، وصارت من فنون الغناء في الموسيقى العربية، وما زالت تُنشد في فرق الإنشاد والموسيقى في العالم العربي. وفي العصر الحديث تأثّر بالتنويع في القافية والوزن شعراء التجديد، فكانت الموشحات إحدى الممهدات لظهور شعر التفعيلة. وقد أثّرت أيضًا في بعض الفنون الأوروبية في العصور الوسطى كما يرى عدد من الباحثين.
سابعًا: مثال تطبيقي على بناء الموشح
إذا أخذنا موشح «جادك الغيث» مثالًا، لاحظنا أنه يبدأ بمطلع من قفلين، ثم تأتي الأدوار وكل دور يتألف من أسماط تتفق في القافية، ثم يعقبه قفل يعود إلى قافية المطلع. وهكذا يمشي الموشح في دورة من التغير والعودة تشبه حركة الموج، فيشعر السامع بالتجدد دون أن يفقد الإيقاع الأساسي. ولهذا كان الغناء أنسب ما يكون للموشح، إذ يستطيع المغني أن يردد القفل مع كل دور، فيتشارك معه المستمعون ويتجاوبون.
ومن الجدير بالذكر أن الموشحات لم تُهمل الفصحى، بل التزم أغلب الوشاحين بالعربية في أدوارهم وأقفالهم، ولم يتساهلوا إلا في الخرجة أحيانًا. وبذلك حافظ هذا الفن على صلته باللغة الأم، وأثبت أن التجديد في الشكل لا يعني التفريط في اللغة والهوية.
النتائج
- الموشح فن شعري أندلسي ينوع في القافية والوزن ويقوم على المطلع والأدوار والأقفال والخرجة.
- ظهر في أواخر القرن الثالث الهجري أو أوائل الرابع، وازدهر في عصور الأندلس اللاحقة.
- تناولت الموشحات الغزل ووصف الطبيعة والمدح والزهد وغيرها.
- كان لها أثر كبير في الغناء العربي وفي تجديد الشعر.
التوصيات
- إدراج نماذج من الموشحات الأندلسية في مناهج الأدب والنصوص.
- تشجيع الطلاب على حفظ بعضها وإنشادها في الإذاعة المدرسية والمناسبات.
- الاهتمام بدراسة فنون الأدب الأندلسي لما فيها من ثراء.
الخاتمة
الموشحات الأندلسية شاهد على أن اللغة العربية لغة حيّة قادرة على التجديد والتطور مع بقاء أصالتها. وقد قدّمت للأدب العربي فنًا رقيقًا جمع بين الشعر والموسيقى، وسيبقى هذا الفن حاضرًا ما دام للجمال محبون. والحمد لله رب العالمين.
المراجع
- دار الطراز في عمل الموشحات، ابن سناء الملك.
- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، المقري التلمساني.
- الأدب الأندلسي: موضوعاته وفنونه، مصطفى الشكعة.
- كتب الأدب والنصوص للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.