مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد أنزل الله القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وقال سبحانه:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]
ولذلك كان تعلم النحو العربي من أعظم الوسائل لفهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وضبط الكلام. ومن أبواب النحو المهمة التي تمر بالطالب في المرحلة المتوسطة والثانوية باب ظن وأخواتها، وهي أفعال تدخل على الجملة الاسمية المكوّنة من مبتدأ وخبر فتنصب الجزأين معًا على أنهما مفعولان لها. وفي هذا البحث نتعرف على هذه الأفعال وأقسامها وأحكامها مع الأمثلة المعربة.
تعريف الموضوع
ظن وأخواتها هي أفعال ناسخة تدخل على المبتدأ والخبر، فتنصبهما معًا على أنهما مفعولان لها، أصلهما مبتدأ وخبر. فإذا قلنا: «الطالبُ مجتهدٌ» فالطالب مبتدأ ومجتهد خبر، فإذا أدخلنا عليها الفعل «ظننتُ» قلنا: «ظننتُ الطالبَ مجتهدًا»، فصار المبتدأ منصوبًا مفعولًا به أول، والخبر منصوبًا مفعولًا به ثانيًا. وتُسمّى هذه الأفعال في الغالب «أفعال القلوب» لأن معانيها قائمة في القلب والعقل، كالظن واليقين والعلم، ولكن بعضها يدل على تحويل الشيء من حال إلى حال وليس من أفعال القلوب.
أهمية الموضوع
تكمن أهمية هذا الباب في كثرة وروده في القرآن الكريم وكلام العرب، فمن أتقنه استطاع أن يعرب الجمل التي تبدأ بهذه الأفعال إعرابًا صحيحًا، وأن يفرق بين الفعل الذي ينصب مفعولين والفعل الذي ينصب مفعولًا واحدًا. كما يساعد على فهم معاني الآيات والنصوص التي تتحدث عن الظن واليقين والتحويل.
أهداف البحث
- بيان معنى ظن وأخواتها وعملها في الجملة.
- التمييز بين أفعال اليقين وأفعال الرجحان وأفعال التحويل.
- معرفة الإلغاء والتعليق وشروط كل منهما.
- التفريق بين معاني الفعل الواحد الذي ينصب مفعولين أو مفعولًا واحدًا.
- التدرب على إعراب الجمل المشتملة على هذه الأفعال.
عناصر البحث
أولًا: أقسام ظن وأخواتها
تنقسم هذه الأفعال إلى قسمين رئيسين:
| القسم | الأفعال | مثال |
|---|---|---|
| أفعال القلوب (اليقين) | علم، ورأى (القلبية)، ووجد، ودرى، وألفى، وتعلّم بمعنى اعلم | علمتُ العلمَ نافعًا |
| أفعال القلوب (الرجحان) | ظن، وحسب، وخال، وزعم، وجعل بمعنى ظن، وحجا، وعدّ، وهبْ | ظننتُ الصديقَ وفيًّا |
| أفعال التحويل (التصيير) | صيّر، وجعل بمعنى صيّر، ووهب، وترك، وتخذ، واتخذ، ورد | جعلتُ الطينَ إبريقًا |
فأفعال اليقين تفيد أن الخبر ثابت مؤكد، وأفعال الرجحان تفيد أن الخبر غالب الظن لا يقين، وأفعال التحويل تفيد انتقال الشيء من حال إلى حال.
ثانيًا: أفعال اليقين وأمثلتها
- علم: علمتُ الصدقَ منجاةً. (علم: فعل ماضٍ، والتاء فاعل، الصدق: مفعول به أول، منجاة: مفعول به ثانٍ).
- رأى القلبية: رأيتُ العلمَ نورًا. (بمعنى علمت).
- وجد: وجدتُ الصبرَ مفتاحَ الفرج.
- درى وألفى: ألفيتُ المعلمَ رحيمًا بطلابه.
ثالثًا: أفعال الرجحان وأمثلتها
- ظن: ظننتُ الامتحانَ سهلًا.
- حسب: حسبتُ الجوَّ معتدلًا.
- خال: خلتُ الطريقَ قريبًا.
- زعم: زعمتُ الأمرَ صحيحًا.
- جعل بمعنى ظن: جعلتُ الخطأَ صوابًا (أي ظننته).
ومن أمثلتها في القرآن الكريم قوله تعالى في بيان ظن الكافر المنكر للبعث:
﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: 36]
فالفعل «أظن» فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره «أنا»، و«الساعة» مفعول به أول منصوب بالفتحة، و«قائمة» مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، وأصلهما: الساعةُ قائمةٌ. ومنه قوله تعالى في قصة الإفك:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11]
فالفعل «تحسبوه» مضارع مجزوم بلا الناهية، وحذفت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والهاء مفعول به أول، و«شرًّا» مفعول به ثانٍ. وقد حذّر النبي ﷺ من الاسترسال في الظن بغير بينة، فقال:
«إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» (رواه البخاري)
رابعًا: أفعال التحويل (التصيير)
هي أفعال تدل على انتقال الشيء من حال إلى حال، وتنصب أيضًا مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، لكنها ليست من أفعال القلوب، وأشهرها: صيّر، وجعل، ووهب، وترك، وتخذ، واتخذ، ورد. ومن أمثلتها:
- صيّر النجارُ الخشبَ بابًا.
- جعلتُ الطينَ إبريقًا.
- تركتُ الأرضَ خضراءَ.
- اتخذ الطالبُ الكتابَ صديقًا.
ومن القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]
فالفعل «اتخذ» فعل ماضٍ، و«الله» لفظ الجلالة فاعل مرفوع، و«إبراهيم» مفعول به أول منصوب بالفتحة، و«خليلًا» مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
خامسًا: عمل ظن وأخواتها
تدخل هذه الأفعال على جملة اسمية فتنصب جزأيها، ولا بد من وجود المفعولين معًا. وعند الإعراب نقول: الفعل، ثم الفاعل، ثم المفعول به الأول، ثم المفعول به الثاني. وفي الجدول مقارنة بين الجملة قبل دخول الفعل وبعده:
| الجملة الاسمية | بعد دخول الفعل | الإعراب |
|---|---|---|
| العلمُ نافعٌ | علمتُ العلمَ نافعًا | العلم: مفعول به أول، نافعًا: مفعول به ثانٍ |
| الطلابُ مجتهدون | حسبتُ الطلابَ مجتهدين | الطلاب: مفعول به أول، مجتهدين: مفعول به ثانٍ منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم |
| الجوُّ جميلٌ | خلتُ الجوَّ جميلًا | الجو: مفعول به أول، جميلًا: مفعول به ثانٍ |
سادسًا: الإلغاء والتعليق
من أحكام هذه الأفعال، وخاصة أفعال القلوب، أنها قد لا تعمل في بعض الحالات، وذلك على نوعين:
الإلغاء: هو ترك العمل لفظًا ومعنى، ويجوز إذا جاء الفعل متوسطًا بين المبتدأ والخبر أو متأخرًا عنهما. فنقول: «الطالبُ ظننتُ مجتهدٌ» أو «الطالبُ مجتهدٌ ظننتُ»، فيبقى المبتدأ والخبر مرفوعين على حالهما، والفعل لا عمل له. ويجوز الإعمال أيضًا فنقول: «الطالبَ ظننتُ مجتهدًا». والتقدم أقوى في الإعمال، فإذا تقدم الفعل وجب إعماله.
التعليق: هو ترك العمل في اللفظ مع بقاء العمل في المحل، أي أن الجملة بعده تأتي في محل نصب سدّت مسدّ المفعولين، وذلك إذا جاء بعد الفعل ما له صدارة الكلام، وهو:
- ما النافية: علمتُ ما الكسولُ ناجحٌ.
- لا النافية: علمتُ لا الكسلُ نافعٌ ولا الإهمالُ.
- إن النافية: ظننتُ إنِ الغشُّ مفيدٌ.
- لام الابتداء: علمتُ لَلصدقُ منجاةٌ.
- لام القسم: علمتُ لَيَنجحَنَّ المجتهدُ.
- الاستفهام: علمتُ أيُّ الطلابِ مجتهدٌ، وعلمتُ هل الوقتُ مناسبٌ.
والفرق بين الإلغاء والتعليق أن التعليق يكون بوجود مانع قبل الجملة، وأن الجملة بعد التعليق في محل نصب، بخلاف الإلغاء الذي لا محل فيه للجملة.
سابعًا: تعدي هذه الأفعال إلى مفعول واحد
بعض هذه الأفعال تأتي بمعانٍ أخرى فتنصب مفعولًا واحدًا فقط وتخرج عن هذا الباب، ومن ذلك:
- علم بمعنى عرف: علمتُ الدرسَ (مفعول واحد).
- رأى بمعنى أبصر: رأيتُ الهلالَ.
- وجد بمعنى صادف: وجدتُ الكتابَ على المكتب.
- ظن بمعنى اتهم: ظننتُ زيدًا، أي اتهمته.
- جعل بمعنى أنشأ: جعل المهندسُ بيتًا جميلًا.
فالمعنى هو الذي يحدد العمل، فإذا كان الفعل قلبيًا بمعنى اليقين أو الرجحان نصب مفعولين، وإذا خرج إلى معنى آخر نصب مفعولًا واحدًا.
ثامنًا: ملحوظات مهمة
- لا يجوز حذف أحد المفعولين وحده إلا بدليل، لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر، ويجوز حذفهما معًا إذا دل عليهما دليل.
- إذا جاء بعد «ظن» وأخواتها «أنّ» ومعموليها سدّت مسدّ المفعولين، نحو: ظننتُ أنَّ الاختبارَ قريبٌ.
- أفعال القلوب يجوز أن يكون فاعلها ومفعولها الأول ضميرين لشيء واحد، فنقول: ظننتُني مجتهدًا، ولا يجوز ذلك في غيرها من الأفعال.
- الفعل «تعلّمْ» بمعنى اعلم لا يأتي منه إلا فعل الأمر، فيقال: تعلّمِ الصبرَ مفتاحًا للفرج.
تدريب
أعرب الجملة: «وجدتُ الصدقَ طريقَ النجاة».
- وجد: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، وهو فعل ناسخ ينصب مفعولين.
- التاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل.
- الصدق: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
- طريق: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو مضاف.
- النجاة: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
النتائج
- ظن وأخواتها أفعال تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر.
- تنقسم إلى أفعال يقين وأفعال رجحان وأفعال تحويل.
- يجوز إلغاء أفعال القلوب إذا توسطت أو تأخرت، ويجب تعليقها إذا جاء بعدها ما له الصدارة.
- المعنى هو الذي يحدد هل ينصب الفعل مفعولين أم مفعولًا واحدًا.
التوصيات
- الإكثار من إعراب الأمثلة القرآنية لتثبيت القاعدة.
- التفريق عند الإعراب بين معنى الفعل وعمله.
- حفظ الأفعال في جداول منظمة مع أمثلة تدل على كل فعل.
- الرجوع إلى كتب النحو المعتمدة عند الإشكال.
الخاتمة
تعرفنا في هذا البحث على باب ظن وأخواتها: معناها وأقسامها وعملها، وعلى حكمي الإلغاء والتعليق، وعلى أحوال تعدي الأفعال لمفعول واحد. ويتضح أن فهم هذا الباب يعين على إتقان الإعراب وفهم النصوص، وأن تعلم النحو وسيلة لخدمة لغة القرآن الكريم. أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علمًا.
المراجع
- القرآن الكريم، وصحيح البخاري.
- كتب النحو والصرف للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك.
- أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام الأنصاري.
- النحو الوافي لعباس حسن.