مقدمة البحث

الحمد لله الذي علّم القرآن، خلق الإنسان علّمه البيان، والصلاة والسلام على نبينا محمد أفصح العرب لسانًا وأبلغهم بيانًا. أما بعد، فإن اللغة العربية لغة غنية بالأساليب التي تمكّن المتكلم من أن يعبّر عن المعنى الواحد بطرق متعددة في الوضوح والجمال. وقد وضع العلماء علوم البلاغة لتبيّن هذه الأساليب، ويأتي علم البيان في مقدمتها. وفي هذا البحث نتعرف عليه وعلى أبوابه.

تعريف الموضوع

البيان في اللغة الكشف والإيضاح. وعلم البيان في اصطلاح البلاغيين هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، أي أنك تستطيع أن تعبّر عن فكرة واحدة بالتشبيه أو بالمجاز أو بالكناية، وبعضها أوضح من بعض وأبلغ. وأبواب علم البيان الرئيسة أربعة: التشبيه والمجاز المرسل والاستعارة والكناية.

أهمية الموضوع

علم البيان وسيلة لفهم النصوص الأدبية وتذوق جمالها، وهو من أهم الأدوات لفهم القرآن الكريم والحديث النبوي وإدراك بلاغتهما. كما أنه ينمّي لدى الطالب القدرة على التعبير الجميل والكتابة الراقية، ويصقل ذوقه الأدبي ويزيد ثروته اللغوية.

أهداف البحث

  • التعرف على علم البيان ونشأته ومكانته بين علوم البلاغة.
  • معرفة التشبيه وأركانه وأنواعه.
  • التمييز بين المجاز المرسل والاستعارة.
  • فهم الكناية وأقسامها.
  • تذوق الأساليب البيانية في القرآن الكريم.

عناصر البحث

أولًا: نشأة علم البيان

بدأت الملاحظات البيانية مع الأدباء والنقاد العرب الأوائل الذين وقفوا عند جمال التصوير في الشعر والخطب. وكتب في علوم البلاغة أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه «مجاز القرآن»، والجاحظ في «البيان والتبيين»، ثم ازدهرت المؤلفات على يد عبدالقاهر الجرجاني صاحب «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز»، ثم السكاكي في «مفتاح العلوم» الذي رتّب علوم البلاغة إلى المعاني والبيان والبديع. وهكذا استقر علم البيان بابًا قائمًا بذاته.

ثانيًا: التشبيه

تعريفه: هو إلحاق أمر بأمر آخر في صفة بأداة لغرض معين. وله أربعة أركان:

الركنمعناهمثال: «العالِم كالنور في هدايته»
المشبّهالشيء الذي نريد وصفهالعالم
المشبّه بهالشيء الذي نُشبّه بهالنور
الأداةحرف أو كلمة تدل على التشبيه كالكاف وكأن ومثلالكاف
وجه الشبهالصفة المشتركة بينهماالهداية

أنواع التشبيه:

  • التشبيه المرسل: ما ذُكرت فيه الأداة، مثل: «الكتاب كالصديق في إخلاصه».
  • التشبيه المؤكد: ما حُذفت فيه الأداة، مثل: «الكتاب صديق وفيّ».
  • التشبيه المجمل: ما حُذف فيه وجه الشبه، مثل: «العلم كالنور».
  • التشبيه المفصل: ما ذُكر فيه وجه الشبه.
  • التشبيه البليغ: ما حُذفت فيه الأداة ووجه الشبه معًا، مثل: «الصبر مفتاح الفرج»، وهو أعلى أنواع التشبيه لأنه يجعل المشبّه والمشبّه به شيئًا واحدًا.

ثالثًا: المجاز

الحقيقة هي استعمال اللفظ في معناه الأصلي، والمجاز استعماله في غير معناه الأصلي لعلاقة بين المعنيين مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي. وللمجاز نوعان:

١) المجاز المرسل: هو المجاز الذي علاقته غير المشابهة، ومن علاقاته: السببية والمسببية والجزئية والكلية والمحلية والحالية. فمن الجزئية قولك: «أرسل الملك عيونه في المدينة»، تريد الجواسيس، ذكرت العين وأردت الشخص كله. ومن المحلية قولك: «حضر المجلس كله»، تريد الحاضرين، فذكرت المكان وأردت من فيه.

٢) الاستعارة: هي تشبيه حُذف أحد طرفيه، فعلاقتها المشابهة دائمًا. فإن ذكر فيها المشبّه به وحُذف المشبّه سميت تصريحية، مثل: «رأيت بدرًا يتكلم»، أي رجلًا جميلًا كالبدر. وإن حُذف المشبّه به ورُمز إليه بشيء من لوازمه سميت مكنية، مثل: «أظفار المنية نشبت بفلان»، حيث شُبّهت المنية بحيوان مفترس له أظفار. ومن الاستعارة قول القرآن في الدعاء للوالدين:

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]

فقد شُبّه الذل بطائر له جناح يخفضه الإنسان رحمة، وفي ذلك تصوير بديع للتواضع والحنان في معاملة الوالدين.

رابعًا: الكناية

الكناية لفظ أُريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصلي. ومثالها: «فلان كثير الرماد»، أي كريم، لأن كثرة الرماد تلزم كثرة الطبخ للضيوف، ويجوز أن يكون رماده كثيرًا حقيقة. وهي ثلاثة أقسام:

القسمالمكنّى عنهمثال
كناية عن صفةصفة كالكرم والشجاعة«طويل النجاد» كناية عن طول القامة، و«كثير الرماد» كناية عن الكرم
كناية عن موصوفذات أو شخص«ذو المخلب والناب» كناية عن الأسد
كناية عن نسبةإثبات صفة لصاحبها بإسنادها إلى ما يتصل به«المجد بين ثوبيه» أي هو صاحب مجد

ومن الكناية في القرآن الكريم قول الله تعالى في النهي عن البخل والإسراف:

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]

فقد كُنّي بغلّ اليد إلى العنق عن البخل والإمساك، وببسط اليد كل البسط عن الإسراف، والمعنى يُفهم بصورة محسوسة قريبة. ومنها أيضًا قوله تعالى على لسان زكريا عليه السلام:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4]

وفيها استعارة بديعة، إذ شُبّه انتشار الشيب في الرأس باشتعال النار وانتشارها، وهي من أجمل صور البيان في القرآن.

خامسًا: الفرق بين الأبواب الأربعة

  • التشبيه يصرّح بالطرفين مع الأداة غالبًا.
  • الاستعارة تشبيه حُذف أحد طرفيه، وعلاقتها دائمًا المشابهة.
  • المجاز المرسل علاقته غير المشابهة.
  • الكناية يجوز فيها إرادة المعنى الحقيقي، بخلاف المجاز الذي تمنع قرينته المعنى الأصلي.

النتائج

  • علم البيان علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة.
  • أبوابه أربعة: التشبيه والمجاز المرسل والاستعارة والكناية.
  • التشبيه يقوم على أربعة أركان، وأبلغ أنواعه التشبيه البليغ.
  • الاستعارة تشبيه حُذف أحد طرفيه، وهي تصريحية أو مكنية.
  • القرآن الكريم مليء بالصور البيانية الرفيعة التي يُدرك بها جمال بيانه.

التوصيات

  • الإكثار من قراءة النصوص الأدبية والقرآن الكريم بتأمل لتذوق الصور البيانية.
  • التدرب على استخراج التشبيه والاستعارة والكناية من النصوص وإعرابها بلاغيًا.
  • الاستعانة بالكتب الميسرة في البلاغة العربية للمبتدئين.

الخاتمة

عرفنا في هذا البحث أن علم البيان هو مفتاح فهم جمال العربية وروعة القرآن الكريم، وأنه يتضمن التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية. وإذا أتقنه الطالب ارتقى تعبيره وزاد تذوقه للأدب. نسأل الله أن ينفعنا بما علّمنا، والحمد لله رب العالمين.

المراجع

  • البلاغة الواضحة، علي الجارم ومصطفى أمين.
  • أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، عبدالقاهر الجرجاني.
  • جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، أحمد الهاشمي.
  • مفتاح العلوم، السكاكي.
  • كتب اللغة العربية والبلاغة للمرحلة الثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.

كلمات دليلية