للبيت الذي نشأنا فيه مكانة خاصة في قلوبنا، فجدرانه تحفظ ضحكاتنا وذكرياتنا. ولذلك يكون الانتقال إلى منزل جديد تجربة مختلطة المشاعر، فيها حزن على فراق مكان نحبه، وفرح بمكان جديد ننتظر أن نصنع فيه ذكريات أجمل. وفي هذا الموضوع أحكي تجربتي مع الانتقال إلى منزلنا الجديد.
خبر الانتقال
في مساء أحد الأيام جمعنا أبي في المجلس وقال بابتسامة: لدي خبر سعيد، لقد أكملنا بناء بيتنا الجديد، وسننتقل إليه بعد شهر بإذن الله. فرح إخوتي الصغار وصاروا يقفزون في المكان، أما أنا ففرحت وحزنت في الوقت نفسه، فقد تذكرت غرفتي القديمة، وأصدقائي في الحي، والمسجد القريب الذي تعوّدت الصلاة فيه.
يوم النقل
قبل الانتقال بأسبوع بدأنا نجمع أغراضنا في صناديق كبيرة، وكتبنا على كل صندوق اسم الغرفة التي سيوضع فيها. وتخلصنا من أشياء كثيرة لم نعد نحتاجها، فتبرعنا بالملابس والألعاب الصالحة لجمعية خيرية. وفي يوم النقل جاءت شاحنة كبيرة وعمال نقل الأثاث، وساعدناهم في حمل الأشياء الخفيفة. وقبل أن أغلق باب بيتنا القديم للمرة الأخيرة، وقفت لحظة أودّع غرفتي، وقلت في نفسي: شكرًا على كل السنوات الجميلة.
غرفتي الجديدة
حين دخلت بيتنا الجديد شعرت بالدهشة، فالمكان واسع ومشرق، والجدران بيضاء نظيفة. وأجمل ما فيه غرفتي الخاصة التي اخترت لون جدرانها بنفسي، ووضعت فيها مكتبًا قرب النافذة للمذاكرة، ورفًّا لكتبي وقصصي. وفي أول ليلة لم أستطع النوم بسرعة، فكل صوت كان غريبًا، لكنني بعد أيام قليلة شعرت أن البيت صار بيتي فعلًا.
الجيران والحي الجديد
في اليوم الثاني زارنا جارنا مع أبنائه ليرحبوا بنا، وأحضروا معهم القهوة والتمر، فشعرنا بالألفة من أول يوم. وتعرفت على ابن الجيران، فوجدته في المرحلة نفسها، وصرنا نذهب معًا إلى المسجد. وأخذني أبي في جولة في الحي لنتعرف على المسجد والبقالة والحديقة. وقد حثّنا ديننا على الإحسان إلى الجار، فقال رسول الله ﷺ:
«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ» (رواه البخاري)
دروس تعلمتها من الانتقال
- أن البيت الحقيقي هو الأسرة، فحيثما كنا معًا فهناك بيتنا.
- أن التغيير قد يكون صعبًا في البداية، لكنه يحمل فرصًا جديدة.
- أن الترتيب والتخطيط يجعلان المهام الكبيرة سهلة.
- أن التبرع بما لا نحتاجه يُسعد غيرنا ويخفف عنا.
- أن الجار الطيب نعمة، وأن نكون نحن جيرانًا طيبين لغيرنا.
الخاتمة
مرّت الأشهر الأولى في منزلنا الجديد سريعًا، وصار لنا فيه ذكريات وأصدقاء وجيران نحبهم. وما زلت أزور حيّنا القديم أحيانًا وأسلّم على أصدقائي هناك، فالانتقال إلى منزل جديد لا يعني أن ننسى الماضي، بل أن نحمل أجمل ما فيه معنا، ونبدأ صفحة جديدة بقلب متفائل. أسأل الله أن يبارك لنا في بيتنا، وأن يجعله عامرًا بالخير والذكر والمحبة.
