مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد. أما بعد، فإن الماء أعظم المذيبات وأكثرها انتشارًا في حياتنا، وبه تحدث تفاعلات لا تحصى في أجسامنا وفي الطبيعة. وقد قال الله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]
ونحن نرى الذوبان كل يوم: نذيب السكر في الشاي، ونضع الملح في الطعام، ويذوب غاز الأكسجين في ماء البحار فتعيش فيها الأسماك. وفي هذا البحث نتعرف على الذوبان والعوامل التي تجعله أسرع أو أكثر.
تعريف الموضوع
الذوبان هو عملية تتفرق فيها دقائق مادة ما بين دقائق مادة أخرى فتكوّنان خليطًا متجانسًا يسمى المحلول. والمادة التي تذوب تسمى المذاب، والمادة التي تذيبها تسمى المذيب. فعند إذابة السكر في الماء يكون السكر مذابًا والماء مذيبًا، والناتج محلول سكري لا نميّز فيه حبيبات السكر بالعين.
ويُقصد بـالذائبية أكبر كمية من المذاب يمكن أن تذوب في كمية معينة من المذيب عند درجة حرارة معينة. أما سرعة الذوبان فهي الزمن الذي تحتاجه المادة لتذوب، وهما أمران مختلفان، فبعض العوامل تؤثر في كمية المادة الذائبة، وبعضها يؤثر في سرعة الذوبان فقط.
أهمية الموضوع
- فهم الذوبان يفسّر كثيرًا من الظواهر اليومية كإعداد المشروبات والتنظيف بالصابون والماء.
- يدخل الذوبان في صناعة الأدوية والأغذية والمنظفات والأصباغ.
- تعتمد حياة الكائنات المائية على ذوبان الغازات مثل الأكسجين في الماء.
- تنتقل المغذيات والأملاح في أجسام الكائنات الحية وهي ذائبة في سوائلها.
أهداف البحث
- التعرف على مفهوم الذوبان والمحلول والمذاب والمذيب.
- تحديد العوامل المؤثرة في كمية المادة الذائبة وفي سرعة ذوبانها.
- التمييز بين المحلول المشبع وغير المشبع وفوق المشبع.
- إعطاء أمثلة من الحياة على كل عامل من هذه العوامل.
عناصر البحث
أولًا: درجة الحرارة
تؤثر درجة الحرارة في ذائبية المواد. فذائبية أغلب المواد الصلبة في الماء تزداد بارتفاع درجة الحرارة، ولذلك يذوب السكر في الشاي الساخن بسرعة وبكمية أكبر مما يذوب في الماء البارد. ويرجع ذلك إلى أن الحرارة تزيد من حركة دقائق المذيب فتصطدم بالمذاب أكثر وتفصل دقائقه بسهولة.
أما الغازات فالأمر معها معكوس، فذائبية الغاز في السائل تقل بارتفاع درجة الحرارة. ولذلك يفقد المشروب الغازي فقاعاته بسرعة إذا ترك في مكان دافئ، ولهذا أيضًا تقل كمية الأكسجين الذائب في الماء الدافئ مقارنة بالماء البارد.
ثانيًا: طبيعة المذاب والمذيب
ليست كل المواد تذوب في كل مذيب، وتحكم ذلك قاعدة مشهورة: الشبيه يذيب الشبيه. أي أن المواد القطبية تذوب في المذيبات القطبية، والمواد غير القطبية تذوب في المذيبات غير القطبية. والماء مذيب قطبي، لذلك يذيب السكر والملح اللذين يتصفان بالقطبية أو الأيونية، ولا يذيب الزيت لأنه مادة غير قطبية، ولهذا يطفو الزيت على سطح الماء.
ويُذيب البنزين وبعض المذيبات العضوية الزيوت والدهون، ولذلك تُستخدم مذيبات خاصة لإزالة بقع الدهون والدهانات. ومن هنا نفهم عمل الصابون الذي يحتوي دقائقه على جزء يحب الماء وجزء يحب الدهون، فيربط بين الماء والدهن ويساعد على إزالة الأوساخ.
ثالثًا: الضغط
للضغط أثر واضح في ذوبان الغازات في السوائل، فكلما زاد الضغط زادت ذائبية الغاز. ويظهر ذلك في المشروبات الغازية، إذ يُذاب غاز ثاني أكسيد الكربون في المشروب تحت ضغط مرتفع ثم يُغلق العبوة. فإذا فتحناها انخفض الضغط، فتخرج فقاعات الغاز بسرعة. أما المواد الصلبة والسائلة فتأثير الضغط في ذائبيتها ضعيف جدًا ويمكن إهماله.
رابعًا: العوامل التي تؤثر في سرعة الذوبان
- التحريك: يؤدي إلى ملامسة المذيب الجديد لسطح المذاب باستمرار، فيذوب أسرع. ولهذا نحرّك السكر في الكوب بالملعقة.
- حجم الحبيبات: كلما صغر حجم حبيبات المذاب زادت مساحة السطح المعرضة للمذيب فزادت سرعة الذوبان. ولهذا يذوب السكر الناعم أسرع من المكعبات الكبيرة منه، ويذوب الملح الناعم أسرع من الملح الخشن.
- الحرارة: سبق أنها تسرّع الذوبان في الحالات الأغلب.
وهذه العوامل الثلاثة لا تغيّر في العادة أقصى كمية تذوب عند درجة حرارة ثابتة، لكنها تجعل الوصول إليها أسرع، ومن الخطأ أن نظن أن التحريك يزيد الذائبية، بل يختصر الوقت فقط.
خامسًا: أنواع المحاليل بحسب كمية المذاب
| النوع | الوصف | مثال |
|---|---|---|
| غير مشبع | يحتوي مذابًا أقل من أقصى كمية يمكن أن تذوب، ويستطيع إذابة المزيد | ملعقة سكر في كوب كبير من الماء |
| مشبع | يحتوي أقصى كمية من المذاب عند درجة حرارة معينة، وما زاد عنها يترسب | ماء أُضيف إليه سكر حتى بدأ يترسب في القاع |
| فوق مشبع | يحتوي مذابًا أكثر من المشبع، وهو غير مستقر، فقد يترسب الزائد بسرعة بإضافة بلورة صغيرة | محلول سكر مشبع ساخن جرى تبريده ببطء شديد |
سادسًا: أمثلة من الحياة
- صنع الشاي والقهوة والعصائر باستخدام الماء الساخن.
- غسل الملابس بالماء الدافئ والمنظف لإزالة الأوساخ بسهولة.
- الأسماك التي تعيش في الماء البارد الغني بالأكسجين الذائب.
- تعبئة المشروبات الغازية تحت ضغط عال وفتحها فتخرج فقاعاتها.
- استخدام الأدوية الشرابية التي تُرجّ قبل الاستعمال لأن بعض مكوناتها تترسب مع الوقت.
تجربة بسيطة
خذ أربعة أكواب متساوية من الماء، وضع في كل كوب ملعقة سكر. اجعل الأول بماء بارد دون تحريك، والثاني بماء بارد مع التحريك، والثالث بماء ساخن، والرابع سكره مطحون ناعم. قس الزمن الذي يذوب فيه السكر في كل كوب، وستجد أن الأسرع هو الذي اجتمع فيه الدفء والتحريك وصغر الحبيبات.
النتائج
- الذوبان تفرق دقائق المذاب بين دقائق المذيب ونشوء محلول متجانس.
- ترتفع ذائبية أغلب المواد الصلبة بارتفاع الحرارة، وتنخفض ذائبية الغازات.
- تحكم طبيعة المادتين الذوبان وفق قاعدة الشبيه يذيب الشبيه.
- يزيد الضغط ذائبية الغازات فقط تقريبًا.
- التحريك وصغر الحبيبات والحرارة تسرّع الذوبان.
التوصيات
- إجراء تجارب مخبرية آمنة في المدرسة لقياس أثر كل عامل على حدة.
- الحرص على تثبيت المتغيرات الأخرى عند دراسة أي عامل حتى تكون النتيجة صحيحة.
- التعامل بحذر مع المذيبات الكيميائية واستخدام معدات الوقاية.
الخاتمة
تعرفنا في هذا البحث على الذوبان وعلى العوامل المؤثرة فيه: درجة الحرارة وطبيعة المذاب والمذيب والضغط والتحريك وحجم الحبيبات، وعرفنا أنواع المحاليل. وهذه المعارف ليست علمًا نظريًا فحسب، بل هي حاضرة في مطبخنا ومنزلنا ومصانعنا وفي أجسامنا. نسأل الله أن ينفعنا بما علّمنا وأن يزيدنا علمًا.
المراجع
- كتب الكيمياء والعلوم للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية.
- كتب الكيمياء العامة الجامعية في موضوع المحاليل والذائبية.