كثيرًا ما أسمع معلمي يقول: «من ينتظر أن يُطلب منه العمل يتأخر عن غيره». ومن هنا عرفت قيمة المبادرة، وهي أن يبدأ الإنسان بالعمل النافع من نفسه دون أن ينتظر أمرًا أو طلبًا من أحد. وقد حثّنا ديننا على المسارعة إلى الخير، فقال الله تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148]
معنى المبادرة
المبادرة هي السبق إلى العمل الصالح والنافع بعزيمة وإرادة ذاتية. فالطالب المبادر هو الذي يرى زميلًا يحتاج إلى مساعدة فيساعده قبل أن يُسأل، ويلاحظ فوضى في الفصل فيرتبه دون أن يوكّل إليه المعلم ذلك. والمبادرة تحتاج إلى الشجاعة وحسن التفكير، فالمبادر لا يتهور بل يختار العمل المناسب في الوقت المناسب.
المبادرة في ديننا
علّمنا النبي ﷺ أن للمبادرة بالخير أجرًا عظيمًا يستمر أثره، فقال:
«مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ» (رواه مسلم)
فمن سبق إلى فكرة نافعة أو عمل طيب فاقتدى به الناس، كتب الله له مثل أجورهم. وهذا يشجعنا على أن نكون أول من يفعل الخير ولا نكتفي بالمشاهدة.
فوائد المبادرة للفرد
للمبادرة فوائد كثيرة على صاحبها، فهي تبني الثقة بالنفس، وتنمّي مهاراته، وتجعله محبوبًا عند من حوله. والإنسان المبادر يستغل وقته ولا يضيع الفرص، فكم من فرصة ضاعت لأن صاحبها قال: «سأفعل غدًا». كما أنها تعوّده على تحمل المسؤولية، وتجعله قادرًا على حل مشكلاته بنفسه، وهذا ما يحتاجه كل إنسان في دراسته وعمله.
أثر المبادرة في المجتمع
المجتمع الذي يكثر فيه المبادرون مجتمع حيّ متقدم، فالمبادرات التطوعية تخدم المحتاجين، ومبادرات نظافة الأحياء تحسّن البيئة، والأفكار الجديدة في العلم والاقتصاد تفتح أبوابًا للتنمية. وإذا بادر كل فرد بما يستطيع، تعاون الجميع وتحقق للوطن ما يتطلع إليه. وقد شجّعت المملكة العربية السعودية العمل التطوعي والمبادرات الشبابية، وفتحت المجال أمام الشباب لإبداعاتهم.
أمثلة على المبادرة في المدرسة
- أن يبادر الطالب بتنظيف فصله أو إطفاء الأنوار عند الخروج.
- أن يشرح لزميله المتعثر درسًا لم يفهمه.
- أن يقترح على معلمه نشاطًا يخدم المدرسة أو الحي.
- أن يبادر بالسلام والاعتذار وإصلاح ذات البين بين الزملاء.
ما يعيق المبادرة وكيف ننمّيها
من أسباب ضعف المبادرة الخوف من الفشل، والكسل، والاتكال على الآخرين، والخجل من كلام الناس. ولعلاج ذلك نبدأ بأعمال صغيرة، ونتعلم من أخطائنا ولا نيأس، ونحيط أنفسنا بأصدقاء إيجابيين، ونتذكر أن النجاح يبدأ بخطوة. وعلى الأسرة والمدرسة أن تشجعا الأبناء حين يبادرون وإن أخطأوا، فتعودهم على الاعتماد على النفس.
الخاتمة
إن المبادرة صفة الناجحين وسرّ تقدم الأمم، وهي بداية كل إنجاز كبير. فلنكن مبادرين في دراستنا وبيوتنا ومجتمعنا، ولنبدأ من اليوم بعمل صغير نفيد به غيرنا. أسأل الله أن يوفقنا لكل خير، وأن يجعلنا مفاتيح للخير في وطننا.