السفر من أجمل ما يمر في حياة الإنسان، فهو يعلّمه ويفتح عينيه على عجائب الدنيا. وقد كتبتُ هذا التعبير عن رحلتي مع أسرتي إلى تركيا في إجازة الصيف، وهي رحلة لن أنساها ما حييت. وقد دعانا الله إلى النظر في الأرض والتأمل في خلقه فقال:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20]
التحضير للرحلة
بدأ الحديث عن الرحلة قبل موعدها بأسابيع. جلسنا في صالة البيت أنا وأبي وأمي وإخوتي، وكتبنا قائمة بالأماكن التي نريد زيارتها. وكان أبي يقرأ لنا عن كل مدينة، وأنا أبحث عن صورها على الإنترنت وأتخيل نفسي هناك. وفي الليلة الأخيرة رتّبنا الحقائب، وراجعنا الجوازات والتذاكر، ودعونا الله أن يحفظنا في سفرنا ويردّنا سالمين.
الوصول إلى إسطنبول
ركبنا الطائرة صباحًا، وكنتُ أنظر من النافذة إلى الغيوم التي تحتنا كأنها بحر أبيض من القطن. وبعد ساعات هبطنا في مدينة إسطنبول، المدينة الكبيرة التي تقع بين قارتين، آسيا وأوروبا. وفي الطريق إلى الفندق أعجبتني الشوارع العريضة والجسور والبيوت المتراصة على التلال، وأعجبني أكثر منظر البحر الذي يظهر بين المباني من كل جهة.
آيا صوفيا والجامع الأزرق
في اليوم الثاني ذهبنا إلى منطقة السلطان أحمد، وفيها أشهر معالم المدينة. أول ما رأيته آيا صوفيا، وهو مبنى ضخم بقبة عظيمة، يحمل تاريخًا طويلًا يمتد قرونًا، وقد وقف أبي أمامه وحدثنا عن تاريخ المدينة وكيف مرّت عليها حضارات عديدة. وفي مقابله يقف الجامع الأزرق بمآذنه الشامخة وقبابه المتدرجة، وسُمّي بذلك لكثرة الزخارف والبلاط الأزرق في داخله. دخلنا إليه وصلّينا فيه، وشعرتُ بسكينة جميلة وأنا أنظر إلى النقوش والخط العربي على الجدران.
رحلة على مضيق البسفور
ومن أمتع أوقات الرحلة نزهة بالمركب في مضيق البسفور، وهو الممر المائي الذي يفصل بين شطري إسطنبول الأوروبي والآسيوي. وقفتُ على سطح المركب والهواء يداعب وجهي، وأنا أنظر إلى القصور القديمة والجسور الكبيرة والمساجد على الضفتين، وأطعم النوارس التي كانت ترافقنا وتلتقط الخبز من أيدينا بمهارة. وكان إخوتي الصغار يضحكون كلما اقترب طائر منهم.
طرابزون وأوزنجول
ثم سافرنا إلى الشمال الشرقي من البلاد لزيارة مدينة طرابزون المطلة على البحر الأسود. هناك تغيّر المشهد تمامًا، فقد رأينا جبالًا خضراء تغطيها الغابات، وغيومًا تنزل بين الأشجار، ومطرًا خفيفًا يهطل بين حين وآخر. وزرنا بحيرة أوزنجول الهادئة التي تحيط بها الجبال والأشجار الكثيفة، ومشينا على ضفتها وتناولنا الغداء في مطعم يطل على الماء. تأملتُ تلك المناظر وقلتُ في نفسي: سبحان من أبدع هذا الجمال!
وفي المساء كنا نتجول في الأسواق القديمة، فنرى المحلات الصغيرة والألوان الزاهية والحلويات المتنوعة، ونسمع أصوات الباعة بلغة لا نفهمها لكننا نفهم ابتسامتهم الودودة. واشترى كل واحد منا هدية صغيرة يذكّره بالرحلة، وكنتُ أحرص على تدوين ما أراه في دفتر صغير لأحتفظ بذكرياتي.
ما تعلمته من الرحلة
- تعرّفتُ على حضارة أخرى وطريقة أهلها في الحياة، وتعلمتُ احترام اختلاف الشعوب.
- أدركتُ قيمة التاريخ، وكيف تحتفظ المباني القديمة بقصص الماضي.
- تعلمتُ التعاون مع أسرتي في ترتيب الأمتعة وتنظيم الوقت.
- زاد حبي لوطني، فكلما رأيتُ بلدًا جميلًا تذكّرتُ أن بلادي أيضًا مليئة بالجمال والخير.
- تذكرتُ أن علينا شكر الله على نعمة الأمن والصحة التي تيسّر لنا السفر.
الخاتمة
عدنا إلى بيتنا ونحن متعبون من السفر لكننا سعداء، وفي حقائبنا هدايا صغيرة لأقاربنا وذكريات كثيرة لن تنسى. وما زلتُ أنظر إلى الصور التي التقطناها وأتذكر كل لحظة جميلة قضيناها معًا. أسأل الله أن يرزقنا السفر النافع، وأن يجمعنا دائمًا على الخير والمحبة.