خلق الله الناس وجعل بينهم حقوقًا لا يجوز أن يعتدي عليها أحد، وأقام السماوات والأرض على العدل. غير أن في الناس من يظلم غيره مستغلًّا قوته، وفي المقابل ضعفاء لا يملكون ما يدفعون به الأذى عن أنفسهم. وموضوعنا اليوم عن ضعف المظلومين وما يجب علينا نحوهم.
معنى الظلم والمظلوم
الظلم هو الاعتداء على حق الآخرين بأخذ مالهم أو إيذائهم أو احتقارهم أو منعهم مما يستحقون. والمظلوم هو من وقع عليه هذا الاعتداء. وقد يكون المظلوم طفلًا ضعيفًا يتنمر عليه زملاؤه، أو عاملًا يؤخذ أجره، أو يتيمًا يُؤكل ماله، أو جارًا يُؤذى بغير ذنب.
وضعف المظلوم لا يعني أنه على غير حق، بل يعني أنه قليل الحيلة أمام من ظلمه، وربما سكت خوفًا أو حياءً أو يأسًا. وهنا يظهر دور المجتمع الذي يقف مع الحق ولا يترك الضعيف وحده.
موقف الإسلام من الظلم
حرّم الإسلام الظلم تحريمًا شديدًا، وجعل المظلوم في حفظ الله وعنايته، ودعوته مستجابة. وأمر المسلمين بالتعاون على الخير، فقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]
ولم يكتف الإسلام بالنهي عن الظلم، بل جعل نصرة المظلومين واجبًا على القادرين، وعاتب الذين يتركون الضعفاء من الرجال والنساء والأطفال يعانون وهم قادرون على إغاثتهم، قال تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]
نصرة المظلوم في الحديث الشريف
روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» (رواه البخاري)
قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال:
«تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ» (رواه البخاري)
أي تمنعه من ظلمه. وهذا يعلّمنا أن النصرة لا تعني الانحياز لأحد، بل الوقوف مع العدل في كل حال، فمن رأى ظالمًا فليكفّه عن ظلمه، ومن رأى مظلومًا فليدفع الأذى عنه.
صور من الظلم حولنا
الظلم لا يقتصر على الحروب الكبيرة، بل يوجد في تفاصيل حياتنا اليومية. ومن صوره:
- التنمر على زميل ضعيف أو السخرية من شكله أو لهجته.
- أكل حقوق الآخرين ومنع العامل أجره.
- الشهادة الزور وقول الباطل في حق إنسان بريء.
- الاستيلاء على أموال اليتامى أو إهمال حقوق الضعفاء.
- الصمت عن الظلم وترك المظلوم وحيدًا.
واجبنا نحو المظلومين
أول ما نفعله أن نكون عادلين مع الجميع، لا نظلم أحدًا حتى لو كان أضعف منا. وثانيًا أن ندافع عن زميلنا إذا رأيناه يُؤذى، فنقف بجانبه ونبلّغ المعلم أو المرشد إن احتاج الأمر. وثالثًا أن نعين المظلومين بما نستطيع من كلمة طيبة أو مساعدة أو دعاء. ورابعًا أن نلجأ إلى الجهات المختصة والأنظمة التي تحفظ الحقوق، فالدولة وضعت الأنظمة لتحمي الضعيف وتعطي كل ذي حق حقه.
ويجب ألا ننسى أن العدل ليس مسؤولية القضاة وحدهم، بل هو سلوك يبدأ من البيت والمدرسة. فالأب العادل بين أبنائه يربي جيلًا يكره الظلم، والمعلم الذي يعامل طلابه بالسوية يزرع فيهم حب الإنصاف.
الخاتمة
إن ضعف المظلومين ليس عيبًا فيهم، بل هو اختبار لقوة ضمائرنا نحن. فلنكن أقوياء بالحق، ننصر المظلوم ونكفّ الظالم، ونتذكر أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الله لا يضيع حق من استعان به. اللهم اجعلنا من أهل العدل والإحسان، وارفع الظلم عن كل مظلوم.