للزيتون مكانة خاصة في قلوبنا، فهو شجرة مباركة تعطي ثمرًا طيبًا وزيتًا نافعًا. وقد أقسم الله به في كتابه فقال:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: 1]
موسم القطاف
ينتظر المزارعون في الخريف موسم قطف الزيتون بفارغ الصبر، فبعد عام كامل من السقاية والرعاية تنضج الثمار وتتغير ألوانها. وفي منطقة الجوف في شمال المملكة مزارع زيتون واسعة تُعرف بها المنطقة، ويأتي الناس في موسم القطاف للمشاركة والاستمتاع بالأجواء. وفي العام الماضي دعانا جدي إلى مزرعة أحد أقاربنا للمشاركة في القطاف، ففرحتُ كثيرًا.
يوم في المزرعة
استيقظنا باكرًا، وركبنا السيارة ونحن نتحدث ونضحك. وعند وصولنا استقبلنا صاحب المزرعة بابتسامة وقدّم لنا القهوة والتمر. كان الهواء عليلًا والأشجار صفوفًا منتظمة، وأغصانها مثقلة بالحبوب الخضراء والسوداء.
وزّعنا عمي على مجموعات، وأعطانا سلالًا وأقمشة نفرشها تحت الأشجار. وقال لنا: امسكوا الغصن برفق ولا تكسروه، فالشجرة تحتاج إلى أغصانها في العام القادم. فكنا نمرر أيدينا على الغصن فتتساقط الحبات على القماش، وكان الكبار يستخدمون أمشاطًا صغيرة تساعدهم على الجني. ثم نجمع الثمار في الصناديق ونحملها إلى الظل.
وفي وقت الظهيرة جلسنا تحت ظل الأشجار لنستريح، وفرشت النساء سفرة بسيطة عليها الخبز والجبن والزيتون والشاي. ما أطيب ذلك الطعام ونحن متعبون من العمل! وبينما كنا نأكل حدثنا الكبار عن ذكرياتهم مع المزرعة، وكيف كانوا يشاركون آباءهم في القطاف وهم صغار. وشعرتُ أن الأرض تربط بيننا وبين من سبقونا، وأن المحافظة على الأشجار محافظة على تراث الأسرة.
وعند العصر كان كل فريق قد ملأ عددًا من الصناديق، فتسابقنا لنرى من جمع أكثر، وضحكنا حين اكتشفنا أن أصغرنا جمع من الأرض حبات سقطت من الأشجار أكثر مما جمعناه نحن. وتعلمتُ أن العمل الجماعي أخف وأمتع من العمل المنفرد.
من الثمرة إلى الزيت
أخبرنا جدي أن الثمار تُنقل بعد القطاف إلى المعصرة لتُغسل وتُطحن ويُستخرج منها الزيت، ويكون أفضل إذا عُصر قريبًا من وقت القطف. وبعض الناس يحتفظ بجزء من الحبات فيضعها في الماء والملح لتصبح مخللًا نأكله مع الفطور. وتعلمتُ يومها أن عمل الفلاح متعب، لكنه يثمر خيرًا لكل الناس.
فوائد الزيتون
عرفتُ في ذلك اليوم أن الزيتون ليس مجرد ثمرة نأكلها، بل مصدر رزق لكثير من الأسر، وله فوائد عديدة نذكر منها:
- زيت الزيتون من الأطعمة المفيدة، وهو يدخل في كثير من الأكلات الشعبية والصحية.
- تدخل ثمرة الزيتون وزيتها في صناعة الصابون ومستحضرات العناية بالبشرة.
- شجرة الزيتون معمّرة تتحمل الجفاف، ولها دور في تخضير الأرض.
وقد ذكر الله الزيتون في القرآن الكريم، فهو من النعم التي ينبغي أن نشكر الله عليها.
شجرة الزيتون في حياتنا
تعيش شجرة الزيتون سنوات طويلة جدًا، ويرثها الأبناء عن الآباء، ولذلك يعتز بها أهل المزارع ويعدّونها جزءًا من هوية المكان. وفي منطقة الجوف تقام فعاليات ومهرجانات في موسم الزيتون يتعرف الزوار فيها على القطاف والعصر والمنتجات المصنوعة من الثمار، وهذا يشجع المزارعين ويعرّف الناس بخيرات بلادنا.
ما تعلمته من القطاف
- الصبر على العمل؛ فالثمرة لا تأتي إلا بعد جهد طويل.
- التعاون بين أفراد الأسرة والجيران يجعل العمل أسهل وأجمل.
- الرفق بالأشجار؛ فهي مصدر رزق لا يصح أن نؤذيها.
- تقدير تعب المزارعين الذين يوفرون لنا غذاءنا.
وكنتُ أنظر إلى الأشجار الشامخة وأتأمل كيف تعطي ثمارها كل عام بلا مقابل، فتذكرت أن الإنسان الصالح كالشجرة الطيبة ينفع من حوله ويبقى أثره.
الخاتمة
كان يوم القطاف من أجمل أيام حياتي، فقد جمعني بأهلي وعلّمني قيمة العمل والصبر والتعاون. وعدتُ إلى البيت متعبًا لكنني سعيد، وشكرتُ الله على هذه النعمة، وتمنيتُ أن أزرع شجرة زيتون في بيتنا لتبقى ذكرى جميلة.