كلما رأيتُ صفًا من النمل يسير بنظام على جدار بيتنا وقفتُ أتأمله بإعجاب. حشرات صغيرة جدًا، لكنها تعمل كفريق واحد كأن بينها اتفاقًا مكتوبًا. وقد ذكر الله النمل في القرآن الكريم، وسمّى سورة كاملة باسمه، وهذا يدلنا على أن في حياتها دروسًا نافعة، أهمها التعاون.
النمل في القرآن الكريم
يحدثنا القرآن عن قصة نملة حذّرت قومها حين اقترب جيش نبي الله سليمان عليه السلام:
﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18]
فتأملتُ كيف أن نملة واحدة تحمّلت المسؤولية وأنذرت الجميع، وكيف استجاب الباقون فدخلوا مساكنهم. وهذا مثال جميل على الانتباه للآخرين والحرص على سلامتهم.
مجتمع النمل
يعيش النمل في مستعمرات منظمة تسكن غالبًا تحت الأرض في أنفاق وغرف كثيرة. وتضم المستعمرة عادة ملكة تضع البيض، وعاملات يقمن بمعظم الأعمال، وفي بعض الأنواع جنود يدافعون عن المستعمرة. ولكل فئة عملها الذي تؤديه، وبهذا يستمر المجتمع وينجح مع أن أفراده صغيرة الحجم.
تقسيم الأعمال
من عجائب النمل أن العاملات يقسمن الأعمال بينهن، فبعضهن يخرجن للبحث عن الغذاء، وبعضهن يحفرن الأنفاق ويوسعن الغرف، وبعضهن ينظفن المستعمرة ويخرجن الفضلات، وأخريات يرعين البيض واليرقات ويطعمنها. ولا ينتظر أحد منهن أمرًا مباشرًا في كل مرة، بل يعرف كل نمل عمله ويؤديه بإخلاص.
التعاون في جمع الغذاء
إذا وجدت نملة كشافة مصدر غذاء تركت أثرًا من مادة كيميائية تفرزها على الطريق، فتتبعها زميلاتها وتصل إلى الغذاء دون ضياع. وحين يكون الطعام كبيرًا لا تقدر عليه نملة واحدة، تتعاون عدة نملات على حمله وسحبه إلى المستعمرة. وهذا ما جعلني أفهم معنى المثل: يد واحدة لا تصفق، واليدان معًا تحققان ما لا تحققه يد منفردة.
رعاية الصغار والدفاع
تعتني العاملات بالبيض واليرقات، فتنقلها إلى أماكن دافئة أو أكثر أمانًا عند الحاجة، وتطعمها وتنظفها. وإذا هُوجمت المستعمرة هبّ كثير من أفرادها للدفاع عنها، وفي بعض الأنواع يتقدم الجنود الصفوف لحماية الجميع. ومن المعروف أيضًا أن النمل يخزّن الغذاء في مخازن داخل مستعمرته، فيتجهز لأوقات قلّة الطعام.
تواصل النمل
من الأمور المدهشة أن النمل يتواصل بإشارات كيميائية يسمّيها العلماء الفيرومونات، وبلمس قرون الاستشعار بعضها ببعض. فإذا التقت نملتان لمست كل منهما الأخرى وتبادلتا المعلومة عن الطريق والغذاء. وبهذه الوسائل البسيطة ينتقل الخبر في المستعمرة بسرعة، فيعرف الجميع ما يجب عمله. وهذا يعلمني أن التواصل الجيد أساس التعاون، وأن الفريق الذي لا يتبادل أفراده الرأي والمعلومة يفشل مهما كانت قوته. وأنا في مجموعتي المدرسية أحرص على أن أستمع لزملائي كما أريد أن يستمعوا لي، فننجز مشروعنا بسهولة.
ماذا نتعلم من النمل؟
- أن العمل الجماعي أقوى من العمل الفردي مهما كان الأفراد صغارًا.
- أن لكل واحد دورًا مهمًا، وأن النجاح يحتاج إلى إتقان كل فرد لعمله.
- أن ننتبه لمن حولنا وننبههم إلى الخطر كما فعلت تلك النملة.
- أن نجتهد ونستعد للمستقبل ولا نؤجل أعمالنا.
- أن نحافظ على نظام مدرستنا وبيتنا كما يحافظ النمل على مستعمرته.
الخاتمة
إن النمل مخلوق صغير لكنه معلّم كبير في التعاون والنظام والإخلاص في العمل. وإذا كان النمل يعمل بروح الفريق فنحن أولى بذلك، ونحن أصحاب عقول نميّز بها الخير. فلنتعاون في الفصل والبيت والحي، ولنتذكر دائمًا أن الأمة التي يتعاون أفرادها تبني المجد. سبحان من أودع في هذا المخلوق الصغير هذه العجائب.