إذا ذكرنا الصحراء تذكّرنا الجمل، ذلك الحيوان الصبور الذي رافق العرب منذ القدم في تنقلهم وأسفارهم، حتى لُقّب بـسفينة الصحراء، فكما تحمل السفينة الناس فوق البحر، يحمل الجمل الناس وأمتعتهم فوق الرمال. وقد لفت الله أنظارنا إلى خلقه فقال:

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17]

مقدمة

الجمل من أعظم النعم التي سخرها الله للإنسان في بلادنا. وقد عاش عليه أجدادنا في الجزيرة العربية، فحمل أمتعتهم وقطع بهم المسافات الطويلة التي لا تقطعها غيره من الدواب. ولذلك يحتل مكانة كبيرة في ثقافتنا وتراثنا، ويظهر في الشعر والأمثال والفنون.

صفات الجمل

الجمل حيوان كبير الحجم طويل الرقبة، له سنام على ظهره وأرجل طويلة ومتينة. وهو من الحيوانات العاشبة، يأكل الأعشاب والأشواك والنباتات الجافة التي تتجنبها حيوانات أخرى. وللجمل أنواع أشهرها الجمل العربي ذو السنام الواحد.

وقد خلق الله الجمل مناسبًا للعيش في الصحراء، وفيه صفات عجيبة:

  • أخفافه عريضة تمنعه من الغوص في الرمال الناعمة.
  • أهدابه طويلة وكثيفة تحمي عينيه من الغبار والعواصف الرملية.
  • يستطيع إغلاق منخريه عند هبوب الرياح المحملة بالرمال.
  • يخزن الدهون في سنامه، فيستفيد منها حين يقل الطعام.
  • يصبر على العطش أيامًا، ثم يشرب كمية كبيرة من الماء دفعة واحدة.
  • جلده وجسمه يتحملان حرارة الصحراء الشديدة.

ومن الخطأ أن نظن أن السنام يخزن الماء، فهو يخزن الدهن كما سبق، وهذا الدهن مصدر للطاقة عند الحاجة.

فوائد الجمل للإنسان

للجمل فوائد كثيرة، فقد كان وسيلة النقل الأولى في الصحراء، يحمل الناس والبضائع في القوافل التجارية من مدينة إلى أخرى. وحليب الناقة غذاء مفيد يشربه الناس، ويصنعون من الوبر والصوف أغطية وخيامًا وملابس، ويستفيدون من جلده، ويأكلون لحمه. وفي عصرنا هذا ما زال كثير من أهل البادية يربّون الإبل ويفخرون بها.

الجمل في تراثنا

أحب العرب الإبل حبًا كبيرًا، وأكثروا ذكرها في أشعارهم وأمثالهم، وكان الرجل يُعرف بكثرة إبله وكرمه بها على الضيوف. وفي المملكة اليوم مهرجانات خاصة بالإبل، وتُقام فيها مسابقات للجمال والسباقات يشارك فيها المربّون من أنحاء المملكة والخليج، وهي تحافظ على هذا الموروث وتعرّف الأجيال الجديدة به.

الجمل والقوافل

في الماضي كانت القوافل تنطلق من مدينة إلى مدينة تحمل التمر والبخور والأقمشة والسلع المختلفة، وكان الجمل قلب القافلة النابض. وكانت القافلة تسير في الليل وتستريح في النهار حتى لا تتعب من الحر، ويعتمد الناس على خبرة الدليل الذي يعرف الطرق والآبار. ولولا صبر الجمل لتعذر على الناس عبور الصحراء الواسعة التي تمتد مسافات طويلة بلا ماء. وهكذا ساهم الجمل في ازدهار التجارة وفي التواصل بين الناس والمدن.

موقف من رحلتي

زرتُ مع أسرتي في الربيع الماضي مكانًا في البر، وركبتُ الجمل لأول مرة. شعرتُ في البداية بشيء من الخوف حين وقف بي ونهض من بروكه، ثم اطمأننت حين رأيت هدوءه وسيره البطيء الثابت. وقال لنا صاحبه إن الجمل يحب من يرفق به، وإنه لا يغضب إلا إذا أُزعج. وتعلمتُ يومها أن الهدوء والصبر من صفات الجمل التي يجدر بنا أن نتعلمها منه.

كيف نعامل الحيوان؟

علّمنا ديننا الرحمة بالحيوان، وأن لا نكلفه فوق طاقته ولا نعذبه، وأن نوفر له الطعام والماء. فالجمل ينفعنا ويخدمنا، ومن شكر النعمة أن نحسن إليه ونرفق به.

الخاتمة

الجمل سفينة الصحراء حقًا، فقد جمع الله فيه من الصفات ما يجعله قادرًا على العيش في أقسى الظروف وخدمة الإنسان. وحين نتأمل خلقه ندرك عظمة الخالق سبحانه، ونتذكر فضل الله علينا بنعمه الكثيرة. فلنحافظ على هذه الثروة الحيوانية، ولنفخر بتراثنا الذي ارتبط بها.