للطفولة في القلب مكان لا تحتله أيام أخرى، وأجمل ما فيها ذكرياتنا في المدرسة. فكلما مررتُ بباب مدرستي الابتدائية أحسستُ أن الزمن يعود بي إلى الوراء، وأرى نفسي صغيرًا بحقيبة أكبر مني وعينين مليئتين بالفضول. وفي هذا التعبير أحكي لكم بعض ما بقي في ذاكرتي من تلك الأيام.

أول يوم في المدرسة

أتذكّر أول يوم دخلتُ فيه المدرسة كأنه كان بالأمس. استيقظتُ مبكرًا على صوت أمي، وارتديتُ الزي الجديد والحذاء اللامع، وحملتُ حقيبتي التي اخترتها بنفسي. كنتُ فرحًا وخائفًا في آن واحد. وحين وصلتُ إلى الباب أمسكتُ بيد أبي بقوة، فنظر إليّ مبتسمًا وقال لي: لا تخف، ستجد أصدقاء كثيرين.

وفي الطابور سمعتُ النشيد الوطني لأول مرة ضمن صفوف الطلاب، وشعرتُ بأنني صرتُ كبيرًا. ثم دخلنا الفصل، وجلستُ في مقعدي وأنا أنظر إلى السبورة والألوان المعلقة على الجدران. ومنذ ذلك اليوم عرفتُ أن للمدرسة بيتًا ثانيًا في قلبي.

معلمتي الأولى

لن أنسى معلمتي في الصف الأول، فقد كانت تعاملنا كأننا أبناؤها. كانت تبتسم لنا كل صباح، وتناديني باسمي بصوت حنون، وتعلّمنا الحروف بالأناشيد والقصص. وكانت تعطينا نجمة ملونة على دفاترنا كلما أحسنّا الكتابة، فنتسابق للحصول عليها.

وأذكر أنني أخطأتُ يومًا في كتابة اسمي، فلم توبخني بل جلست بجانبي وأمسكت يدي وكتبنا الاسم معًا ببطء حتى أتقنته. ومن يومها تعلمتُ أن الصبر والرفق أجمل طريق للتعليم، وتمنيتُ أن أصبح معلمًا مثلها.

الأصدقاء والفسحة

أحلى لحظات اليوم الدراسي كانت حين يرنّ جرس الفسحة. كنا نخرج إلى الساحة مسرعين، نلعب كرة القدم بكرة صغيرة، أو نتسابق في الجري، أو نجلس في الظل نتبادل الحكايات. وكان لي صديق نتشارك معًا الفطور، فأعطيه من شطيرتي ويعطيني من عصيره.

وأذكر مرة سقطتُ فيها وجُرحت ركبتي، فجاء أصدقائي جميعًا يساعدونني، وأخذني أحدهم إلى المعلم. يومها عرفتُ قيمة الصديق الوفي، وأن الصداقة تُبنى بالمواقف الصغيرة.

الطريق إلى المدرسة

وكنتُ أحب الطريق إلى المدرسة أيضًا، فقد كنتُ أذهب مع أبي في السيارة، وأحيانًا مع أبناء الجيران نمشي ونتحدث ونضحك. وكنا نمرّ بالدكان الصغير القريب من المدرسة، فنشتري حلوى بسيطة بما معنا من نقود قليلة، ونفرح بها كأنها كنز. وفي طريق العودة كنتُ أحكي لأمي كل ما حدث معي في اليوم، وهي تستمع إليّ باهتمام كأنها تسمعه لأول مرة.

مواقف لا تُنسى

  • الحفل المدرسي الذي شاركتُ فيه بالإلقاء لأول مرة، وكانت يداي ترتجفان من الخوف، ثم صفّق الجميع لي.
  • الرحلة المدرسية إلى الحديقة، حين أكلنا جميعًا معًا وتسابقنا وغنّينا.
  • المسابقة التي فزتُ فيها بكتاب هدية، فأحسستُ أن تعبي لم يضع.
  • أول اختبار كتبتُه، وكيف عدتُ إلى البيت لأخبر أمي بحماس عن أسئلته.

وما زلتُ أحتفظ في درجي بدفتر قديم مليء بالخطوط الكبيرة والرسومات الطفولية، وكلما فتحته ضحكتُ من أخطائي الصغيرة وشعرتُ بالامتنان لكل من علّمني.

ما تعلمته من تلك الأيام

علّمتني المدرسة في طفولتي أكثر من القراءة والكتابة. تعلمتُ الاحترام والنظام، وأن أنتظر دوري، وأن أصغي إلى غيري، وأن أعتذر إذا أخطأتُ. وتعلمتُ أن أجتهد حتى أصل إلى ما أريد، وأن النجاح يحتاج إلى صبر ومثابرة. وهذه الدروس ما زالت ترافقني حتى اليوم.

الخاتمة

ذكريات الطفولة في المدرسة كنز لا يفنى، نعود إليه كلما اشتقنا إلى البراءة والفرح. وأشكر معلميّ وأصدقائي وكل من كان سببًا في جمال تلك الأيام. وأوصي زملائي بأن يعيشوا أيامهم الدراسية بحب وجد، فسيأتي يوم يتحدثون فيه عنها بابتسامة وحنين، ويقولون: ما أجمل تلك الأيام!