الوطن هو البيت الكبير الذي نعيش فيه، وفيه ولدنا وتعلمنا وتربّينا، وبين أهله وأرضه نجد الأمان والاستقرار. وحبّ الوطن شعور فطري في قلب كل إنسان، لكنه لا يكفي أن يبقى شعورًا، بل لا بد أن يتحوّل إلى أعمال. وللوطن على كل مواطن واجبات يؤديها وفاءً لما قدّمه له الوطن، وسأتحدث في موضوعي هذا عن أهم هذه الواجبات.

حب الوطن والانتماء إليه

أول واجب على المواطن أن يحب وطنه حبًّا صادقًا، فيفتخر بتاريخه ودينه ولغته، ويعتز بالانتماء إليه، ويدافع عنه إذا تعرّض لسوء. وفي بلادنا نحمل شرف خدمة الحرمين الشريفين، وهذا يزيدنا مسؤولية وفخرًا. وحبّ الوطن يظهر في أدق التفاصيل: في احترام العلم الوطني والنشيد الوطني، وفي الحديث الطيب عن بلادنا، وفي الدفاع عنها أمام من يسيء إليها بغير حق.

طاعة ولاة الأمر والتعاون معهم

ومن واجباتنا طاعة ولاة الأمر بالمعروف والالتزام بالأنظمة التي تحفظ حقوق الجميع. وقد أمرنا الله تعالى بذلك فقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]

فالأنظمة وُضعت لمصلحتنا، كأنظمة المرور وأنظمة الدراسة والعمل، والذي يلتزم بها يحمي نفسه ويحمي غيره، ويساعد الدولة على أداء دورها في خدمة المجتمع.

المحافظة على الأمن والوحدة

الأمن نعمة عظيمة، ولا يعرف قيمتها إلا من فقدها. ولذلك على المواطن أن يحافظ على أمن بلاده، فلا يشارك في ما يثير الفتنة، ولا ينشر الإشاعات، ويبلّغ الجهات المختصة عن كل ما يهدد سلامة المجتمع. ومن واجبه كذلك أن يحافظ على وحدة الصف، فيتعاون مع إخوانه ويبتعد عن التعصب والعنصرية. وقد قال النبي ﷺ:

«إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» (رواه البخاري)

طلب العلم والعمل بإتقان

ويخدم المواطن وطنه حين يجتهد في دراسته ويتقن عمله. فالوطن يحتاج إلى الطبيب والمعلم والمهندس والجندي والصانع والمزارع، وكل واحد منهم يسهم في بنائه. وأنا كطالب أخدم وطني حين أذاكر دروسي، وأحترم معلمي، وأستفيد من وقتي، وأسعى لأكون عضوًا نافعًا في المستقبل. وقد وجّهنا الله تعالى إلى إعمار الأرض فقال:

﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: 61]

المحافظة على الممتلكات والمرافق العامة

الطرق والحدائق والمدارس والمستشفيات ملك لنا جميعًا، ومن واجبنا أن نحافظ عليها فلا نكسرها ولا نكتب عليها ولا نرمي القمامة فيها. ونحافظ كذلك على ثروات الوطن، فلا نسرف في الماء والكهرباء، ونعتني بالبيئة والأشجار والمرافق التي يستفيد منها الناس.

الأمانة وحسن الخلق

من أعظم ما يقدمه المواطن لوطنه أن يكون صادقًا أمينًا، يؤدي الحقوق إلى أهلها، ويحسن معاملة الناس، ويلتزم بآداب الطريق والجيرة. وقد قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]

كما أن واجب المواطن أن يكون سفيرًا لبلاده بأخلاقه، فإذا سافر إلى بلد آخر أو تعامل مع زائر فإنه يعكس صورة وطنه كاملة.

الدعاء للوطن

ومن الواجبات الجميلة أن ندعو لوطننا بالأمن والاستقرار والخير، كما دعا نبي الله إبراهيم عليه السلام لبلده فقال:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126]

الخاتمة

إن الوطن يستحق منا الكثير، وواجباتنا نحوه كثيرة: حبّ صادق، والتزام بالأنظمة، وحفظ للأمن، وعلم وعمل، ومحافظة على الممتلكات، وأمانة وأخلاق. فلنكن جميعًا مواطنين صالحين نعمل بصدق وإخلاص، ولنبنِ وطننا بسواعدنا حتى يظل عزيزًا شامخًا. حفظ الله بلادنا وأدام عليها الأمن والرخاء.