حين أجلس إلى مائدة الطعام أفكر أحيانًا: من أين جاء هذا الخبز وهذه الفاكهة وهذا اللبن؟ والجواب أن أصل كل ذلك الزراعة، تلك المهنة الشريفة التي يقوم بها المزارع كل يوم ليصل الغذاء إلى بيوتنا. وقد لفت القرآن الكريم أنظارنا إلى هذه النعمة فقال تعالى:
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: 24–32]
الزراعة مصدر الغذاء
الإنسان لا يستغني عن الطعام، وأغلب ما نأكله يأتي من الأرض مباشرة كالقمح والأرز والتمر والخضروات والفاكهة، أو يأتي من حيوانات تتغذى على نبات الأرض كاللحم والحليب والبيض. فلو توقف المزارعون عن العمل مدة قصيرة لأحسسنا بالجوع والغلاء، ولذلك تحرص الدول على أن تؤمّن غذاء أبنائها.
الزراعة والمواد الخام
لا تقتصر فائدة الزراعة على الأكل، فالقطن الذي يُزرع في الحقول يُصنع منه القماش الذي نلبسه، والأخشاب تُصنع منها الأبواب والكراسي، وقصب السكر يُستخرج منه السكر، والزيتون يُعصر منه الزيت. وكثير من المصانع تعتمد في إنتاجها على محاصيل المزارع.
الزراعة والاقتصاد
تعمل الزراعة على توفير فرص عمل لعدد كبير من الناس، من المزارعين والعمال إلى سائقي الشاحنات وتجار الأسواق وأصحاب المصانع الغذائية. وعندما تكتفي الدولة بما تنتجه من الغذاء توفّر ما كانت ستنفقه على الاستيراد، وإذا زاد إنتاجها فإنها تبيع الفائض إلى الخارج فيدخل إليها المال.
الزراعة والبيئة
الأشجار والنباتات تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأكسجين الذي نتنفسه، وتخفف من حرارة الجو، وتثبّت التربة بجذورها فتحميها من الانجراف والتصحر. والمزرعة الخضراء منظر يريح النفس ويبعث على الهدوء. وقد رغّبنا النبي ﷺ في الزرع والغرس، فقال:
«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (رواه البخاري)
أنواع الزراعة
تتنوع طرق الزراعة بحسب الأرض والماء. فهناك الزراعة المطرية التي تعتمد على ماء المطر، والزراعة المروية التي نستخرج لها الماء من الآبار أو نجلبه من السدود، والزراعة المحمية التي تُقام في بيوت زجاجية أو بلاستيكية تحمي النبات من الحر والبرد. وهناك أيضًا الزراعة المائية التي تنمو فيها النباتات في الماء بلا تربة، وهي مفيدة في البلاد قليلة الأراضي الصالحة للزراعة.
المزارع جندي مجهول
يستيقظ المزارع مع الفجر، فيحرث الأرض ويبذر الحب ويسقي الزرع ويعتني به أشهرًا طويلة، وقد يتعرض لحرارة الشمس أو لآفة تأكل محصوله، ومع ذلك يصبر ويواصل عمله. وفضل المزارع على المجتمع كبير، ولهذا أرى أن واجبنا أن نشكره بالكلمة الطيبة وأن نشجع أبناءنا على العمل في هذا المجال الشريف.
الزراعة في المملكة العربية السعودية
تشتهر المملكة بزراعة النخيل، ولها من التمور أنواع كثيرة معروفة كالسكري والخلاص والعجوة، وتُزرع في مناطقها الحبوب والخضروات والفواكه، وتشتهر القصيم والأحساء والمدينة المنورة بنخيلها وبساتينها. ومع قلة الأمطار وقلة الأنهار في بلادنا، يستخدم المزارعون وسائل حديثة في الري، كالري بالتنقيط الذي يوفر الماء، وتحرص الدولة على ترشيد استهلاك المياه ودعم المزارعين.
واجبنا نحو الزراعة
- نحترم عمل المزارع ونقدّر تعبه ولا نتلف الطعام ولا نرميه.
- نحافظ على الماء ولا نسرف فيه، فبه حياة الزرع.
- نزرع الأشجار والنباتات في بيوتنا ومدرستنا ونعتني بها.
- لا نقطع الأشجار ولا نتلف المزروعات في الرحلات والمتنزهات.
الخاتمة
الزراعة حياة للإنسان والحيوان والبيئة، وهي أساس الغذاء والصناعة والاقتصاد. وواجبنا أن نشكر الله على نعمة الأرض الخصبة والماء، وأن نحترم من يعمل فيها، وأن نكون في صغرنا زُرّاعًا للخير نغرس شجرة ونعتني بها حتى تثمر. وصدق الله العظيم إذ يقول:
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ [يس: 33–35]